المشاركات

عرض المشاركات من 2022

في حضرة البحر

 كانت رحلةً قصيرة..لم تُكمل أربعًا وعشرين ساعة.. لكنني أصررتُ على زيارة البحر. فما المغزى من السفر إلى مدينة ساحلية إن لم أرَ بحرها؟إن لم أستنشق نسيمه، وأسمع تلاطم أمواجه، وأجلس على صخرة بقربه.. وأحكي له الكثير؟ كانت نصف ساعة.. ثلاثين دقيقة لم تزد، قضيتها أمام البحر قبل أن تنسحب الخيوط الذهبية من السماء بخجل..  جلستُ أمامه في سكينةٍ وخشوع.. صرخات الأطفال الذي يلعبون خلفي، أصوات مَن يتحدثون، رائحة اللحم المشوي المختلطة برائحة البحر.. كل هذا لم يكن يعنيني.. ولم أبذل أي جهدٍ في تجاهله.. كنتُ في حضرة البحر العظيم.. أبوح له عما في داخلي..    أشكو لهُ وحدتي واشتياقي، حيرتي وشتاتي..  أخاطبهُ وكأنه شيخٌ كبير.. مكللٌ بالحكمة، وبتجارب كل مَن جاؤوا إليه قبلي.   كنت أبوحُ له بتلك الأسرار الجاثمة على صدري منذ زمن.. تلك الأسرار التي لم تستطع الكتابة وحدها أن تُخلصني من ثقلها شكوت لهُ ما لم يدر به صديق ولا قريب.  شعرتُ به يلاطفني بنسماته، ويربت على كتفي بصوت أمواجه.. وكأنه يقول لي تلك الكلمة التي كان يجيبني بها أبي حين أشكو له : "دنيا" تنتفستُ بعمق.. تأملتُ امتد...

نزّله على قلبك

 ما معنى أن تقرأ القرآن من قلبك وكأنه أُنزل عليك؟  يعني أن تقرأ ما فيه من رسائلٍ ولطائف ومن قصصٍ وعبر.. وكأنها نزلت لتُثبت فؤادك أنت أن تقرأ تلك الأحكام والمواعظ ، وتستشعر حكمة مَن أمر بها، وسعة علمه، ولطفه أن تتلو الآية مرةً، واثنتين، وثلاثًا... فتكشف في كل مرةٍ سرًا، ويُفتح لك بابٌ من أبواب الفهم في كل مرة أن تقرأ آيات العظمة والمُلك، آيات الخالق العظيم.. الذي رفع السماوات بغير عمد، وأحصى كل شيء عدد..فيخشع قلبك وترتعد فرائصك ثم يلين قلبك حين تقرأ آيات الرحمة والتوبة.. تلك الآيات الحانية التي تطمئنك أن الله يعلم مقدار ضعفك، وسيغفر ذنبك وتقصيرك في جنبه ، إن أقبلت عليه بقلبٍ صادق أن ترتّل الآيات وتتغنّى بها، بكل تؤدةٍ ورويّة.. أن تعطي كل حرفٍ حقه ومستحقه.. فتعطي الغنة زمنها، والمدود وقتها، من غير تكلف أن تعيش مع الآيات في واقعك، منذ أن تُصبح إلى أن يُسدل الليل أستاره.. في سرك وفي جهرك فتكون مثل نبينا صلوات ربي عليه (قرآنا يسير بين الناس) قد هذب القرآن خُلقك وجمّل صفتك فتشعّ روحك نورًا، وتُعرف بصفاء روحك وطهارة قلبك وطمأنينة نفسك.. أنك تحمل القرآن في...

وبقيّةٌ مما ترك أبي

صورة
في ظاهر الأمر..  قد يبدو أن اهتمامي بهذه الزهور والنباتات، والحرص على ريّها نابعٌ عن شغفٍ أو هواية لا أكثر.. وفي حقيقة الأمر، إن لها ارتباطٌ عاطفيٌ وذكرياتٌ لا تُنسى. بدأ الأمرُ حين كنتُ في سنّ السابعة، كنت أرى والدي وهو يسقي النباتات بشكل شبه يومي، ويقتني كل فترةٍ نبتةً جديدة: ملكة الليل، الفل، الريحان، وفي فترة ما كان يزرع الطماطم والثمار الأخرى. تنقّلنا من بيتٍ إلى بيت.. وفي كل بيتٍ نسكنه كان يحرص على زراعة النباتات بقدر ما يستطيع. وحين نسافر في عطلات الصيف الطويلة .. كان يوصي عامل تنظيف السيارات أن يهتم بها ويسقيها. مؤخرًا..قبل عام ونصف العام تقريبًا.. سافر أبي لمدة ثلاثة أشهر.. وأوصاني بالاهتمام بالنباتات في غيابه. كانت تلك هي أول مرة يوصيني بها.. ولم أكن أدري أنها الأخيرة. خلال غيابه، كنت أحاول جاهدة أن أجعل النباتات في أفضل أحوالها، لئلا أخيّب ظنه حين يعود. كنت أسقيها كل يومٍ بعد العشاء، وأقصّ ما طال، وأقطف ما يبس. كنت أعلم قدر اهتمامه بها، وأصرف طاقتي وجهدي في الاعتناء بها. لن أنسى ابتسامته وفرحته حين عاد من سفره ورأى الزرع مُخضرًا مُزهرًا.. لن أنسى شعوري حينها....

٤/٤/ ١٤٤٤ - يومٌ عادي

استيقظت صباح يوم أمس.. قضيت الوقت كعادتي.. كان يوما عاديًا بالنسبة لي.   ومثل كل يوم، كنت أتصفح مواقع التواصل..  الذي اختلف.. أنها كانت تضج بعبارات مثل : "تاريخ مميز ولن يتكرر"  "بمناسبة هذا التاريخ سوف....."  "منذ عدة أعوام قررت أن أفعل كذا في هذا التاريخ"  إلى جانب من يكتب تاريخ اليوم وبجواره دعوة : "اللهم في هذا اليوم... " وكأنه يوم مبارك! تساءلت حينها.. لماذا يهتم الناس بمثل هذه الأمور؟  حدث مثل هذا في بداية العام الميلادي في تاريخ ٢/٢/٢٠٢٢ ويوم أمس  ٤/٤/١٤٤٤ من الناس من انتظر هذا التاريخ ليوثّق مناسبة خاصة، ومنهم من اختاره موعدا لرحلة، أو لصفقة!  لا أدري أباعتباره يوم حظ؟ أم ليسهل تذكره؟ وهل تُنسى التواريخ المهمة أصلا؟ جميعنا نحفظ التواريخ التي نهتم بها مثل ذكرى الميلاد أو ذكرى الزواج رغم أنها تواريخ عادية جدا. ربما يكون منبع الاهتمام هو حب التناسق الذي لا يُختلف فيه فنحن كبشرٍ نحب رؤية الأشياء المتناسقة المرتبة، ومثل هذا التواريخ فيها ترتيب أو تكرار محبب لنا. قررت أن أُشبع فضولي وأن أتصفح الانترنت بحثا عن جواب، وبدأت بقراءة بعض المقالات...

الأرنب و السلحفاة.. من زاوية أخرى

  الأرنب والسلحفاة..  القصة الشهيرة التي رويت لنا صغارا قبل النوم .. جسدنا كلماتها في مخيلتنا الصغيرة كما رويت لنا..  أو قرأناها مصورة في الكتب.. أو شاهدناها في رسوم متحركة. تعددت الطرائق وبقيت القصة هي القصة ذاتها.. قصة الأرنب السريع الذي اغتر بسرعته، والسلحفاة البطيئة التي لم تيأس..  صغرت في عينه فلم يكترث لها ونام في منتصف السباق. ونظرت لنفسها بثقة، فاستمرت ولم تبالي. قيل لنا أن مغزى القصة ألا نغتر بما وهبنا الله فنستنقص من هم دوننا.. وقيل أنه الإصرار. وقيل أن في العجلة الندامة. فللنظر للقصة من وجهة نظر مختلفة.. عاش الأرنب طوال عمره مؤمن بقدرته على الجري، متفوقا على جميع الحيوانات في محيطه.. وحين بدأ السباق كان موقن أنه فائز لا محالة.. فما الذي تغير فجأة؟ ما الذي دفعه ليتوقف في منتصف السباق؟ كان يقال لنا: إنه توقف ليستريح لا أكثر، وأنه اطمأن كون السلحفاة أبطأ منه بمراحل. لكن الأمر قد يكون أعمق من ذلك .. قد يكون بحاجة فعلا ليستريح .. بعد اندفاعه القوي أول السباق.. لم يوزع طاقته بشكل صحيح معتدل، بل اندفع بكامل قواه حتى خارت، ولم يُبق شيئا للمنتصف الأخير.  قد لا...

حُبًا جمّا

  حُب الإنسان للمال فطرة. والفِطرة هي: الخِلْقة" أو "الصِّبْغة" التي خلق الله عليها الإنسان. حب المال إذن ليس بخصلة ذميمة ولا حميدة إنما (فطرة) أمر طبيعي يتشارك فيه كل البشر.  ينطلق من حرص الإنسان على البقاء والعيش، لا حياة بدون طعام، ولا طعام بدون مال، وإن أكملنا: لا مال بدون مقابل أو عمل. فالدافع الأول للبحث عن المال هو لتوفير أساسيات العيش من طعام وشراب ولباس وسكن وعلاج وغيرها... ماذا إن توافرت كل الأساسيات ولم ينفد المال بعد؟يبدأ حينها الإنسان بالبحث عن الكماليات مثل وسائل الراحة واللهو.  يوما بعد يوم يجد الإنسان نفسه غارقا في كومة من الكماليات.  وهنا يستحيل حب المال من فطرة إلى مرض، فيطمع الإنسان بالمزيد، ليس لحاجة بل لمجرد الاقتناء، لمجرد التملك. فتراه ينفق ماله ليقتني ما لا يحتاج، وتتكدس مشترياته عديمة النفع في بيته، لا هو استفاد منها ولا تركها لمن يحتاجها.  ومهما اقتنى من أشياء سواء كانت تحمل قيمة ونفعا أم لا، فلن يشبع ولن يقنع، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. بل قد يستفحل المرض لديه فيعميه حب المال والتملك عن أداء الحقوق الدينية مثل الزكاة الواجبة، أو ...

أقبل رمضان، فبماذا تأهبت له؟

 أقبل رمضان شهر أنزل فيه القرآن، وفرض فيه الصيام، شهرُ الفضائل والعبادات، شهر الخيرات والصدقات..  نتحرى قدومه على أحر من الجمر، ونفرح به فرحًا لو وُزّع على أهل الأرض لكفاهم. مِنا مَن يتأهب له بما لذ وطاب مِن أصناف الطعام.. ومنا من يعلق الزينة والأضواء. والأوفر حظا من تأهب له بقلبٍ مُقبلٍ على الله، ولسانٍ يلهج بذكره، وجسد مُعتاد على الطاعة لا يستثقلها. كُلنا نرجوا أن نتغير في رمضان، وأن نخرج منه بروحٍ غير التي دخلناه بها.  لكن كم منا يعمل جاهدا لأجل ذلك؟ كم منا يدعو الله ويرجوه من قلبه أن يحقق له هذه الغاية؟  لن تتغير في رمضان لمجرد أنك صليت النوافل وتصدقت كل يوم وقرأت جزءًا من القرآن جسدا دون روح. ستمضي الثلاثون يوما وستعود لروحك القديمة التغير الحقيقي ينبع من داخلك، من تلك الرغبة الملحة التي تجعلك تُقبل على الله بكل ما فيك..  ترجوه أن يقربك منه، أن يصلح قلبك، أن يحسن خُلقك، وأن يجعلك من أوليائه الصالحين. حينها فقط.. سوف تحيى روحك، و تستشعر معنى كل طاعة، ستبذل دون بخل، وتعمل دون كلل. اللهم اجعلنا ممن إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا....

يوم الأم.. يوم الحنين

 الإثنين، الثامن عشر من شهر شعبان، الحادي والعشرون من شهر مارس كان يوما طويلًا ومُنهكًا..  محاضرات طوال الصباح، ثم اختبارين بعد الزوال.. و اختناق مروري بعد هذا اليوم الطويل بمثابة الضربة القاضية، أو القشة التي تقصم الظهر. أخيرًا.. هذا هو باب البيت.. حيث سينتهي كل التعب أنزل من السيارة مُثقلة بالهموم؛ مُتعبة، أجر خطواتي ورائي اعتدتُ لزمن طويل.. أن أدخل البيت فتسألني أمي: كيف حالك؟ ما أخبار اليوم؟  واعتدتُ أن أرد بجواب أطول من نهاري كله، أتخلص فيه من كتلة الغضب والتذمر الجاثمة على صدري.  اعتدت أن أشكي لها من زحام الطريق، من صعوبة الامتحان، من الدكتورة التي انتهى وقت محاضرتها ولم تسمح لنا بالخروج..  اعتدت أن أشاركها تلك التفاصيل الصغيرة التي لن يعيرها أحد اهتمام، لكنها كانت تفعل.. كانت.. ما أصعبها من كلمة.. وما أوجعه من شعور.  مضى شهران على غيابها، لم أعتده بعد. أدخل البيت نهاية اليوم وفي جعبتي الكثير من الكلمات ثم أستوعب أنها ليست هنا لتنصت إلي.. أرى الفراغ الحزين الذي خلّفته بعدها، وأسمع صدى صوتي يخترق الصمت الموحش.. حينها أزداد ثقلا فوق ثقلي، أبتلع ريقي لأت...

فقيدا قلبي

  أمي وأبي.. فقيدا قلبي  مضى شهران على غيابكما بدأت أدرك معنى رحيلكما أكثر.. وأستوعب أن الأمر حقيقي. بدأت أعتاد سماع وقول: "رحمهما الله" التي تلحق اسميكما.. بعد ما كنت أستغربها.  الإعتياد على غيابكما صعب، وموجع.. بل هو الاختبار الأصعب على الإطلاق!  والذي يهوّنها علي؛ أن أتذكر أنه "اختبار"وأنكما موجودين دائما وأبدا في قلبي وبين دعواتي.. طوال يومي.   أفكر فيكما حين أنجز شيئا عظيما.. حين أفرح، وحين أنكسر أشعر بأنكما هنا.. بطريقة ما.. وهذا  ما يجعلني أقوى