في حضرة البحر

 كانت رحلةً قصيرة..لم تُكمل أربعًا وعشرين ساعة.. لكنني أصررتُ على زيارة البحر.

فما المغزى من السفر إلى مدينة ساحلية إن لم أرَ بحرها؟إن لم أستنشق نسيمه، وأسمع تلاطم أمواجه، وأجلس على صخرة بقربه.. وأحكي له الكثير؟

كانت نصف ساعة.. ثلاثين دقيقة لم تزد، قضيتها أمام البحر قبل أن تنسحب الخيوط الذهبية من السماء بخجل.. 

جلستُ أمامه في سكينةٍ وخشوع..

صرخات الأطفال الذي يلعبون خلفي، أصوات مَن يتحدثون، رائحة اللحم المشوي المختلطة برائحة البحر.. كل هذا لم يكن يعنيني.. ولم أبذل أي جهدٍ في تجاهله..

كنتُ في حضرة البحر العظيم.. أبوح له عما في داخلي..    أشكو لهُ وحدتي واشتياقي، حيرتي وشتاتي.. 

أخاطبهُ وكأنه شيخٌ كبير.. مكللٌ بالحكمة، وبتجارب كل مَن جاؤوا إليه قبلي. 

 كنت أبوحُ له بتلك الأسرار الجاثمة على صدري منذ زمن.. تلك الأسرار التي لم تستطع الكتابة وحدها أن تُخلصني من ثقلها

شكوت لهُ ما لم يدر به صديق ولا قريب. 

شعرتُ به يلاطفني بنسماته، ويربت على كتفي بصوت أمواجه.. وكأنه يقول لي تلك الكلمة التي كان يجيبني بها أبي حين أشكو له : "دنيا"

تنتفستُ بعمق.. تأملتُ امتداد البحر.. نظرت إلى أقصى نقطة استطعت النظر إليها..

 كم أنت كبيرٌ أيها البحر! حجمًا وعُمرًا

أدركتُ حينها ضآلة حجمي.. لا ريب إذن أن يشفق علي.. أن يفتح لي صدره لأحكي له عن كل همٍ أثقل كاهلي.

كانت ثلاثين دقيقة بحريّة .. جعلتني أتنفس بعمق، وأطمئن، وأبتسم.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تكمل الفيلم!

منفذ النور

وآن للقصة أن تكتمل