وبقيّةٌ مما ترك أبي
في ظاهر الأمر.. قد يبدو أن اهتمامي بهذه الزهور والنباتات، والحرص على ريّها نابعٌ عن شغفٍ أو هواية لا أكثر..
وفي حقيقة الأمر، إن لها ارتباطٌ عاطفيٌ وذكرياتٌ لا تُنسى.
بدأ الأمرُ حين كنتُ في سنّ السابعة، كنت أرى والدي وهو يسقي النباتات بشكل شبه يومي، ويقتني كل فترةٍ نبتةً جديدة:
ملكة الليل، الفل، الريحان، وفي فترة ما كان يزرع الطماطم والثمار الأخرى.
تنقّلنا من بيتٍ إلى بيت.. وفي كل بيتٍ نسكنه كان يحرص على زراعة النباتات بقدر ما يستطيع.
وحين نسافر في عطلات الصيف الطويلة .. كان يوصي عامل تنظيف السيارات أن يهتم بها ويسقيها.
مؤخرًا..قبل عام ونصف العام تقريبًا.. سافر أبي لمدة ثلاثة أشهر.. وأوصاني بالاهتمام بالنباتات في غيابه.
كانت تلك هي أول مرة يوصيني بها.. ولم أكن أدري أنها الأخيرة.
خلال غيابه، كنت أحاول جاهدة أن أجعل النباتات في أفضل أحوالها، لئلا أخيّب ظنه حين يعود.
كنت أسقيها كل يومٍ بعد العشاء، وأقصّ ما طال، وأقطف ما يبس.
كنت أعلم قدر اهتمامه بها، وأصرف طاقتي وجهدي في الاعتناء بها.
لن أنسى ابتسامته وفرحته حين عاد من سفره ورأى الزرع مُخضرًا مُزهرًا.. لن أنسى شعوري حينها..أن تعبي ولله الحمد لم يذهب سدى.
ومضت الأيام..
دخل أبي العناية المركزة.. ومنذ دخوله أخذت على عاتقي مسؤولية الاهتمام بالنباتات..
كنت أُمنّي نفسي بخروجه من المشفى بكامل عافيته، وأردت أن أرى تلك الابتسامة ذاتها ترتسم على شفتيه حين يرى الزرع مُزهرًا.
ولكن..
توفيّ أبي
توفيّ قبل أن أرى تلك الابتسامة.. التي أفتقدها في لحظتي هذه كما لم أفتقدها من قبل.
تركني مع الريحان، والشجرة المتسلقة، وبعض أنواع الزهور..
فعزمتُ أن أسير على خطاهُ أبد الدهر.. عزمتُ أن تكون في عهدتي ورعايتي ما استطعت.
هي ليست مجرد أنواع مختلفة من النباتات تُزين ساحة البيت.. هي وصيّة أبي.. وبقيّةٌ من أبي.. ومن أجمل ذكرياتي مع أبي.

تعليقات
إرسال تعليق