منفذ النور
التاسع من شعبان 1446، الثامن من فبراير 2025، السبت.في تمام التاسعة صباحا، بدأ العد التنازلي قبل إطلاق صافرة البدء، 3، 2، 1..ثم رُفع الحاجز الأحمر وعلت صيحات المتسابقين وانطلقت الجموع بكل حماسة وشغف.(1)ماراثون الرياض لهذا العام، تجربة مذهلة أخرى تؤكد لي أن التجارب الجديدة هي منفذ النور في رتابة الأيام الرمادية، والنبض الحي للساعات البائسة الخاملة، التي تمر عليها عقارب الزمن فلا تكاد تجد فارقًا بينها.تجربة مبهجة فريدة، أسابيع من التمارين والاستعدادات، صبر وتحمّل، مغالبة للنفس، رقم جديد في كل مرة، وتعثرٌ يعقبه عزم أقوى، ولذة انتصارٍ لا توصف.أين كنت من هذا كله؟ أين ذهب وقتي؟ وفي ماذا استنفدت طاقتي؟سرتُ وسط ذلك الحشد الكبير، رأيت كيف يحمل الواحد منا نفسه، كيف يوزّع جهده، متى يشدّ عزمه ومتى يرخيه.رأيت بأم عيني كيف يتضاءل العمر فلا يُرى إلا رقمًا أمام قوة الإنسان وحجم سعيه.شهدتُ المحبة والتكافل المجتمعي، روح التعاون، نبع التشجيع الذي لا ينضب، إحساس البهجة الذي ينمو ويتزايد، ونتناقله بيننا عبر كلمةٍ طيبة وابتسامةٍ صادقة.في خضمّ تلك المشاهد الجميلة يسهو عقلك عن المسافة والزمن، تعيش اللحظة وتأنس بالرفقة ولا تفكر بأين ومتى.ظننتُ أنني بعد بلوغ خط النهاية سوف أقعُ أرضًا وأحلف أيمانًا مغلّظة ألا أعود لهذا الشقاء، فإذا بي في أوج طاقتي وأقصى حماستي!شعرت أني أسير على غيمة لا قطعة أرض صخرية، وأيقنت أن الأمر يستحق، وأنني وإن لم أقع أرضًا فقد وقعت حُبًا ونهضتُ عزمًا سيبقى داخلي أبدًا.(2)شيءٌ مذهل آخر في تجربة الجري أني أصبحت أرى جسدي تحت طوعي وملك يدي، وأن سطوة الكسل ما عادت في عزها كما كانت.قيل أن الإنسان روحٌ وجسد، وأن التوازن بينهما هو الغاية الكبرى التي على أساسها قام الكون، ومن أجلها شُرع الدين، وبها وحدها يُدرَك السلام النفسي.تأملت.. فوجدت أن عالم الجري يحّقق هذه الموازنة، فأنت تغالبُ رغباتك الجسدية (الراحة، النوم) فتقوي جانبك الروحي، تماما مثل ما يصنع الصوم! تأخير للذة العاجلة وتهذيبٌ للنفس.وعلى الرغم من كوننا نؤثر الراحة (بفطرتنا) ونخترع السبل بحثا عنها، إلا أنه ثمة لذّة لا تجيء إلا ممزوجة بالتعب.والحق يقال أن للأخيرة في النفس وقعٌ أكبر، كأنما يضفي لها شقاء السعي قيمة، فتصبح عندنا مستحقّة وذات أثر.كنت أجري على المضمار نحو ذاتي لا نحو خط النهاية فحسب، أُثبت للعالم أن الإنسان لا تحكمه رغباته بل هو من يحكمها، وأن النفس البشرية أقوى مما نتخيّل.تلك حقيقة تجلّت في صبيحة يوم بارد، جفنيّ مطبقان بإحكام، جسدي أثقل مما اعتدت، وفراشي يغريني بدفء لم أعهده.حينها علا صوت الروح وصدحت: "ما يذوق العز خمّام الوسايد"، فنهضت من فوري، وأخرست كل صوتٍ سوى ذاك النداء.(3)تغيّر مدهش حلّ في حياتي، منفذ نور جديد، حكاية حُقّ لها أن تروى، وأن تخلّدها الكلمات بتواضع وخجل.وإن كان لا بد أن ألخّص ما قلت في سطر واحد فسوف يكون:"الحياة ثرية بالفرص والتجارب، اسمحوا لأنفسكم بخوضها، انفضوا الغبار عن رتابة الأيام وانهضوا"- روان عبدالعزيز
تعليقات
إرسال تعليق