لا تكمل الفيلم!

 "مغالطة التكلفة الغارقة" أو Sunk Cost Fallacy 
المصطلح الذي جمعني به مقرر جامعي يُعنى بالتفاعل بين الإنسان والحاسب.
قد يبدو مستغربا لدى البعض كيف لعلم النفس أن يتداخل مع تخصص تقني.
والإجابة باختصار أن تصميم الأنظمة والواجهات يضع في اعتباره كيف يفكر الإنسان العادي (المستخدم النهائي للتطبيق أو النظام)
فمن خلال فهمه لطبيعة تفكير الإنسان، يستطيع المبرمج أن يجعل النظام أكثر مرونة وسهولة إلى حدّ أنه لا يحتاج إلى شرح طريقة استخدامه..
مثل تصميم الأيقونات المحاكية للعناصر  الفعلية في الحياة اليومية، الظرف، سلة النفايات، المجلّد، السماعات… أو اختيار الألوان والأحجام والأصوات مختلفة الدلالات.
لكن الأعمق من هذا بكثير، أن يحاول الخوض في أغوار النفس البشرية المعقدة.. وأن يفهم دوافع الإنسان الداخلية، ليبدأ استغلالها لمصالحه الخاصة.
وهنا تبرز المغالطات الفكرية باعتبارها سبيلًا لاستدراج المستخدم للنظام أو الموقع لفعل ما لم يرد فعله دون أن يدرك.
ومثل هذه التصرفات هي بلا شك أمر لا أخلاقي، وتلاعب وخداع من أجل نيل منافع مادية بأي طريقة كانت.



تحت عنوان :"أنماط التضليل" أو "Deceptive Patterns” كانت سلسة المحاضرات التي تناولت بتفصيل ممل بعض تلك الأساليب.
والتي كان من أشهرها مغالطة التكلفة الغارقة، قيل في تعريفها:
"هي ظاهرة يواصل فيها الأفراد إنفاق الموارد في مسعى ما لمجرد أنهم قد أنفقوا بالفعل قدرا كبيرا من الجهد أو الموارد فيه".
حين يسعى مصمم الصفحة إلى استنزاف طاقة المستخدم ووقته من خلال سلسلة طويلة من الخطوات، ليكشف في النهاية عن عرض أقل جاذبية، أو يتطلب ثمنًا للاستمرار.
وهذا ما يحدث عادة في مواقع التجارب المجانية.
الجدير بالذكر أن هذا يؤدي عادة إلى استمرار المستخدمين حتى لو لم يرغبوا، لمجرد أنهم استثمروا بالفعل الوقت والجهد. فيقعون فريسة هذه المغالطة.
أتذكر كيف أنني ذهلت حينها من توظيف مثل هذه الأمور في تصاميم صحفات الويب!
كيف للإنسان أن يستغل الإنسان بهذه الطريقة؟ كيف يستغل العلم لأسباب ربحية بحتة؟
والذي أدهشني أنها كانت فكرة واحدة من عشرات الموضوعات المشابهة.



وصف محاضر المادة تلك المغالطة مقربا الصورة بشخص دفع تذكرة لحضور فيلم، وتعنّى من أجل الوصول إلى السينما، والبحث عن موقف لسيارته، وانتظر في الطابور من أجل شراء الفشار، ثم في منتصف المشاهدة أيقن أن الفيلم لم يكن يستحق.
معظم الأشخاص في مثل هذا الموقف سيكملون المشاهدة، على أمل أن تتغير مجريات الأحداث.
وحتى إن لم يكن لديهم أمل، سيكون من الصعب عليهم أن يتركوا مقاعدهم وتصديق أن الأمر لم يستحق.
هذا هو باختصار شديد ما يفعله الكثيرون منا في خضم استثماراتنا الخاسرة في الحياة..
نواصل المسير بأمل بائس، أو هربا من الواقع المؤلم.
وما نفعله في حقيقة الأمر هو خسارة فوق خسارتنا، واستنزاف لأنفسنا وطاقاتنا دونما جدوى.
لماذا لا نخرج في منتصف الفيلم الممل ونفعل شيئا أكثر متعة؟
لماذا نصر على إقناع أنفسنا أن اللقطة التي ننتظرها ستأتي بعد قليل وتغيّر كل شيء؟
لماذا لا يقف الواحد فينا أمام نفسه بكل حزم قائلًا: لن يحدث ما تأمل، توقف عن إهدار وقتك وإرهاق مشاعرك.
كم أهلكتنا تلك الحكايا معلّقة النهايات، وكم لبثنا بين انتظارٍ وأمل..
نظن أن أنفسنا تعزّ علينا، فنرفض حقيقة أن ما كل ما فعلناه قد ضاع هباءً..
ولو كانت تعزّ علينا حقا لانتشلناها من هذا الفخ اللعين.
ساعة صدق واحدة أمام أنفسنا، مجردة من كل عاطفة، ستضيء لنا الطريق.


يبدو أن استغلال مبرمجي صفحات الويب -رغم سوئه- أقل ضررا مما نصنع نحن بأنفسنا وبمحض إرادتنا.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

منفذ النور

وآن للقصة أن تكتمل