سطر
"ما أنتِ سوى سطر واحد، في صفحة مزدحمة بالأسطر، في كتاب ممتلئ بالصفحات، في حياة مكتظة بالكتب"
هكذا قلت لنفسي حين أخذت أفكر ما الذي قد أكونه في قصة يرويها أحدهم، ومن أنا في حياته، وهل سيذكرني أصلا؟
كان هذا ال"أحد" شخص عزيز على قلبي، لكنني لا أدري إذا ما كنت أنا بدوري شخصية محورية في حياته..
وضعت أسوأ الإحتمالات، وكانت أنني لست سوى: سطر.
لن أختزل نفسي أكثر فأقول أني كلمة، فأنا على يقين أن لي بصمتي الخاصة أينما حللت، قد أكون سطرًا في أقل تقدير.
شعرتُ بغصة في حلقي بعد هذا التساؤل، ماذا لو كنت بالفعل سطرا في حياته؟ في حين أراه كتابا كاملا؟
وماذا لو كان كتابي المفضل، وكنت سطره المنسيّ المهمل؟
ظل التساؤل يرافقني على مدى أيام، لا تجاهه هو، لكن تجاه كل شخص أراه، قريبًا كان أو عابرًا..
كيف تفكر بي خالتي؟ ماذا تقول عني صديقتي؟ من أنا في عين جارتي. ما الذي ستحكيه عني معلمتي؟ هل سيتذكرني هذا البائع إن عدت غدا؟
"من أنا في كل قصة تُروى؟ وما الذي سيُكتب في ذلك السطر؟" هذا بالتحديد ما ظل يراودني.
فلنتفق أن رضا الناس غاية لا تدرك، وأن المهم هو حسن النية وسلامة القلب.. فبهما تُقاس الأفعال وتُسجل في الصحف.
لكن دعونا كذلك نضع في حسباننا (ونكتب ما قدّموا وآثارهم) فالأثر الطيب له وزنه وقيمته، وهو امتداد لنا، وتخليد لذكرنا.
هو جزءٌ منا نتركه في حياة الآخرين، ولا ندري إن كان سيُكتب في صفحةٍ متوهجة أم مظلمة، وإن كان سيبقى أم سيُمحى.
مشاعرنا اللحظية وتفكيرنا في أنفسنا في معظم الأوقات يغلبان تفكيرنا في الأطراف الأخرى، والنتيجة أننا لا نكون أفضل نسخة أردنا أن نكونها، بل مجرد أشخاص أنانيين.
منذ يومين، كنت في أحد متاجر الأجهزة المنزلية، كان يسير خلفي أحد العاملين في المتجر، قلت له أكثر من مرة أني لا أحتاج مساعدة، وأني سأطلبها منه في حال أردت، لكنه ظل يتبعني أينما ذهبت. وفي لحظة فقدت فيها أعصابي التفت نحوه وقلت: خلاص يا أخي توكّل!
نعم، لم أكن حينها أفكر سوى في نفسي وما الذي أردت، ولم يحركني سوى شعوري بالغضب من تواجده وتجاهله لما قلت.
لم أفكر فيه هو (كإنسان) وما أثر الموقف عليه، وما الذي سيرويه في ذلك السطر المظلم، ربما جملة من قبيل: "فتاة متغطرسة أتت إلى المحل عصر يوم الأحد، كنت أحاول أداء عملي ومساعدتها إلا أن ردها كان غليظا قليل الاحترام، فتركتها ومضيت".
لحظة الإدراك تلك أتتني حينها، أمام إحدى غسالات المواعين المعروضة، وحين كنت أقرأ ورقة المواصفات، سرحت فجأة، تجمدت في مكاني، وقلت في نفسي: من أنا! لقد آذيت إنسانا!
شاب في مقتبل العمر، مغترب عن بلده، يعمل في وظيفة ربما ليست حلمه، لا أعلم عن ماضيه ولا عن ظروفه، لا أدري ما الذي يقاسيه حتى أزيد أنا بكلمة مني حملا فوق ذلك الحمل، ولا يحق لي أن أحكم عليه بشيء ما دمت لم أعش تجربته..
ربما ينهره مديره حين يراه بعيدا عن الزبائن، ربما يظن هو أن هذه هي الطريقة الصحيحة للعمل، وربما -بكل بساطة- كان هذا يومه الأول في ذلك العمل!
أعترف أني لم أعتذر، لا أدري ما الذي منعني، لكنني حاولت تطييب خاطره بأن ألجأ إليه ليشرح لي أكثر عن أحد الأجهزة، وتحدثت برفق واحترام ثم شكرته ومضيت. رجائي أن تكون قد طابت نفسه، وأن يغفر لي.
أدركت أن الواحد فينا ليس واحدًا كما يتصور، بل آحاد وعشرات، وأسطر وحكايات، نحن صورة واحدة أمام مرآتنا، لكننا عشرات الصور في أذهان الآخرين، تلك المرايا التي نتجاهلها دائما.
قد لا تكون مرايا صافية بالضرورة، لكنها تعطي انعكاسا لا بأس به، وتروي لنا بعض ما غفلنا عنه.
"من أنا حين يتحدث عني جاري" تعكس حقيقة إحسانك إلى جيرانك.
"من أنا حين تذكرني عمتي" تعكس حقيقة صلة رحمك.
"من أنا حين يفكر فيّ زميلي" تعكس تفانيك وتعاونك.
"من أنا في عين أبناء إخوتي" تعكس الرحمة في قلبك.
"من أنا عندما يراني عامل أو خادمة" تعكس تواضعك واحترامك.
"من أنا في ذاكرة أحدهم" تعكس جمال روحك وطيب أثرك.
حتى وإن كانت نظرة الآخرين إلينا قاصرة تحكمها مشاعرهم، حتى ولو كان إرضاؤهم ليس غاية لنا، حين نرى أنفسنا من منظور آخر سنجد لا ريب فرصة لتحسينها وتهذيبها..
سنتعامل بإنسانية أكبر، ونشعر بالآخر، سوف نتسم بمحامد الصفات وعلى رأسها الإيثار، ولين القلب، والسماحة.
تلك صفات أنصار نبينا، أهل يثرب الكرام، (يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)
ما النتيجة؟ (فأولئك هم المفلحون).
عودةً إلى ذاك العزيز الذي بحثت عن نفسي في عينيه ولم أجد جوابا، شكرا فقد ألهمتني.
تعليقات
إرسال تعليق