يوم الأم.. يوم الحنين

 الإثنين، الثامن عشر من شهر شعبان، الحادي والعشرون من شهر مارس

كان يوما طويلًا ومُنهكًا.. 

محاضرات طوال الصباح، ثم اختبارين بعد الزوال..

و اختناق مروري بعد هذا اليوم الطويل بمثابة الضربة القاضية، أو القشة التي تقصم الظهر.

أخيرًا.. هذا هو باب البيت.. حيث سينتهي كل التعب

أنزل من السيارة مُثقلة بالهموم؛ مُتعبة، أجر خطواتي ورائي

اعتدتُ لزمن طويل.. أن أدخل البيت فتسألني أمي: كيف حالك؟ ما أخبار اليوم؟ 

واعتدتُ أن أرد بجواب أطول من نهاري كله، أتخلص فيه من كتلة الغضب والتذمر الجاثمة على صدري. 

اعتدت أن أشكي لها من زحام الطريق، من صعوبة الامتحان، من الدكتورة التي انتهى وقت محاضرتها ولم تسمح لنا بالخروج.. 

اعتدت أن أشاركها تلك التفاصيل الصغيرة التي لن يعيرها أحد اهتمام، لكنها كانت تفعل..

كانت..

ما أصعبها من كلمة.. وما أوجعه من شعور. 

مضى شهران على غيابها، لم أعتده بعد.

أدخل البيت نهاية اليوم وفي جعبتي الكثير من الكلمات

ثم أستوعب أنها ليست هنا لتنصت إلي..

أرى الفراغ الحزين الذي خلّفته بعدها، وأسمع صدى صوتي يخترق الصمت الموحش..

حينها أزداد ثقلا فوق ثقلي، أبتلع ريقي لأتخلص من تلك الغصة اليومية، أمسح دمعتي، وأدعو الله أن يربط على قلبي

كل الأيام التي مضت، بعد وفاتها؛ متشابهة.. في لونها الرمادي، في هدوئها ووحشتها. 

كل الليالي باتت مظلمة أكثر، ومرعبة، وهادئة أكثر من المعتاد

لكن الذي اختلف اليوم.. أنه الحادي والعشرين من شهر مارس.. يوم الأم! 

إن كنت أفتقد أمي كل يوم ألف مرة.. فإنني أفتقدها اليوم مئة ألف مرة.. 

إن كانت دموعي تغالبني كل يوم فتسقط من عيني دمعة أو اثنان على حين غفلة، فإنها اليوم تنهمر مثل المطر.. مثل شلال غزير. 

شعرت اليوم أني تيتمت من جديد.. عادت لي ذكريات؛ بل تفاصيل يوم وفاة أمي، فتجدد ألمي. 

في كل لوحة إعلانات على امتداد الطريق إعلان يخص يوم الأم.. 

في كل قنوات المذياع في السيارة برامج وأغاني تحتفي بالأم.. 

في رسائل الجوال، والبريد الإلكتروني، في مواقع التواصل الاجتماعي كلها.. 

كل العالم يحتفل.. 

وأنا أختنق

كلهم مبتهجون.. وأنا أمسح دمعي.

كلهم بين أحضان أمهاتهم.. وأنا بين أحضان بيتٍ خالٍ موحش.. بين جدران تبكي شوقا كما أبكي. 

لا أحسدهم.. إطلاقا!  ولا أتمنى لهم أن يمروا بعُشر هذه الأوجاع.. 

لكنه الشوق، والذكريات التي تحاصرني.. 

أتذكر العام الماضي يوم احتفلنا بيوم الأم..

غنينا لها أنا وإخوتي بصوت واحد : ست الحباااايب يا حبيبة

كانت أمي شمعة البيت.. 

من أجلها كان إخوتي يجتمعون دائما. 

لا يمضي يومان متتالين دون زيارة من أحدهم، أو من الجيران والأصدقاء. 

كانت وحدها مصدر بهجة أصلا.. برغم مرضها الذي اشتد عليها آخر عامين.. 

لم تكن تحب الاستلقاء على السرير طويلا كما يفعل المرضى وكبار السن..

 تجهز القهوة كل يوم، وبجانبها صنف من أصناف الحلوى،

تشغل التلفاز وتجلس مع أبي، وتنادينا لنشرب القهوة معهما

وإن لم نأتي، تأتي بها إلينا في غرفة النوم.

أشتاق إلى تلك الأيام بشدة..

أشتاق إلى صوت كرسيها الكهربائي، وصوت العكاز..

أشتاق إلى صوتها وهي تقرأ القرآن في الصالة..

أشتاق إلى توبيخها لنا، ولأخي على وجه الخصوص.. 

ونقاشاتها الحادة مع أبي، على أمور تافهة مضحكة.. 

أتذكر حين كنا نحاول تهدئة الأمور بينهما.. كانت تنهرنا، و تصر أنه نقاش عادي وأنه لا دخل لنا. 

أيام لا تنسى.. ولن تنسى.. 

سأظل أذكرها وأبتسم، وأدعوا لها ولأبي بالرحمة والمغفرة 

وأن يجمعنا الله في فردوسه الأعلى من الجنة 

حيث لا حزن، ولا هموم، ولا فراق. 

❤️❤️❤️

تعليقات

  1. اللهم اغفر لهما وارحمهمها وآنس وحدتهما واجعلهم من أهل الفردوس الاعلى اللهم اربط على قلبك وقلب أخواتك وإخوانك وأحفادهما اللهم أنس وحدتك وربط على قلبك ورزق الصبر والسلون وجميع إخوتك يارب

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تكمل الفيلم!

منفذ النور

وآن للقصة أن تكتمل