حُبًا جمّا

 

حُب الإنسان للمال فطرة. والفِطرة هي: الخِلْقة" أو "الصِّبْغة" التي خلق الله عليها الإنسان.

حب المال إذن ليس بخصلة ذميمة ولا حميدة إنما (فطرة) أمر طبيعي يتشارك فيه كل البشر.

 ينطلق من حرص الإنسان على البقاء والعيش، لا حياة بدون طعام، ولا طعام بدون مال، وإن أكملنا: لا مال بدون مقابل أو عمل.

فالدافع الأول للبحث عن المال هو لتوفير أساسيات العيش من طعام وشراب ولباس وسكن وعلاج وغيرها...

ماذا إن توافرت كل الأساسيات ولم ينفد المال بعد؟يبدأ حينها الإنسان بالبحث عن الكماليات مثل وسائل الراحة واللهو. 

يوما بعد يوم يجد الإنسان نفسه غارقا في كومة من الكماليات. 

وهنا يستحيل حب المال من فطرة إلى مرض، فيطمع الإنسان بالمزيد، ليس لحاجة بل لمجرد الاقتناء، لمجرد التملك.

فتراه ينفق ماله ليقتني ما لا يحتاج، وتتكدس مشترياته عديمة النفع في بيته، لا هو استفاد منها ولا تركها لمن يحتاجها. 

ومهما اقتنى من أشياء سواء كانت تحمل قيمة ونفعا أم لا، فلن يشبع ولن يقنع، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.

بل قد يستفحل المرض لديه فيعميه حب المال والتملك عن أداء الحقوق الدينية مثل الزكاة الواجبة، أو يعميه الحرص والجشع فيجمع المال بوسائل غير مشروعة.

ويطول السرد إن بدأنا بتفصيل عواقب وتبعات ذلك.


فإن سلمنا جميعا إلى حقيقة أن حب المال أمر فطري، وأن الإفراط فيه مرض، علينا أن نبحث عن وسائل تقينا شر هذا المرض.

فكما يقال دائما : (الوقاية خير من العلاج)

كيف نقي أنفسنا من الانحدار إلى تلك الهاوية إذا كنا مهيئين بالفطرة ولدينا نزعة نحو حب المال؟

يجب علينا أن نروّض أنفسنا على القناعة والزهد، ولن يتحقق لنا هذا إلا بعد أن ندرك حقيقة الدنيا.

أن نذكر أنفسنا دائما أننا في رحلة نحو الآخرة، وأن هذا المال الذي بين أيدينا ما هو إلا وسيلة لخوض هذه الرحلة، وأداة من أدوات الابتلاء الكثيرة.

أن نذكر أنفسنا دائما أننا سنخرج من هذه الرحلة لا نحمل سوا أعمالنا التي قدمناها وآثارنا التي خلّفناها.

إدراكنا لمثل هذه الحقائق وتذكرينا المستمر لأنفسنا بماهية الدنيا وغاية الخلق يجعلنا أكثر زهدا وأقل تمسكا وحرصا.

فيسهل علينا إنفاق المال في أوجه الخير، ونجد في إنفاقه حينها لذة تغنينا عن لذة الاقتناء والجمع.

وكلما رأينا من أنفسنا ميلا نحو شراء ما يلزمنا، نرى حال من هم دوننا في المال، فيورثنا ذلك قناعة ورضا.

ولا ضير أن نقتني الجديد باعتدال واتزان، ولكن العلة هي كثرة الشراء لمجرد الشراء!

ولنحذر كل الحذر أن نختلق الأعذار الواهية لأنفسنا في سبيل إرضاء شهواتنا ليس إلا!

فكلمات مثل (لن أحرم نفسي) أو (لن أتركها في خاطري) هي بداية الانحدار نحو تلك الهاوية.

وماذا إن تركتها في خاطرك أو حرمت نفسك زاهدًا في متاع الدنيا؟ ألا يكفيك أنك بمثل هذا تسمو بروحك؟

ألا يكفيك أنك بمثل هذا تظفر بالنصر على هواك فتزداد قوة وعزما على فعل الخير؟


هي معادلات بسيطة، لكن تطبيقها بحاجة إلى قوة.. 

قوة إيمان نغالب فيها وساوس الشيطان

وقوة عزم نغالب فيها أنفسنا.

ودعاء لا ينقطع : "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا" 

"اللهم إنا نعوذ بك من نفس لا تشبع"



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تكمل الفيلم!

منفذ النور

وآن للقصة أن تكتمل