المشاركات

عرض المشاركات من 2024

الكهف.. حيث يتجلى النور (2)

  وهَذِهِ الدَّارُ لا تَغْرُرْكَ زَهْرَتُهَا فَعَنْ قَرِيْبٍ تَرَى مُعْجِبكَ ذَاوِيْهَا.. فَارْبَأ بنَفْسُكَ لا يَخْدَعكَ لامِعُهَا   مِنَ الزَّخَارِفِ وَاحْذَرْ مِنْ دَوَاهِيْهَا.. خَدَّاعَةٌ لَمْ تَدُمْ يَوْمًا عَلَى أَحَدٍ   وَلا اسْتَقَرَّتْ عَلَى حَالٍ لَيَالِيْهَا..   نقرأ من مثل هذه الأشعار، ومن الأقول المأثورة، ومن أفواه الحكماء.. نسمع ولا نعي أن دوام الحال من المحال، وأن لا مستقر ولا اطمئنان إلا في الحياة الآخرة.. لتأتي سورة الكهف توقظنا، يضرب الله لنا فيها الأمثال ويقص لنا القصص.. يعلمنا -جل في علاه- مرة واثنتين وعشرة، أن السلامة في التخلي لا في التمسك، في العطاء لا في المنع.. في معاندة النفس لا في الاستسلام لرغباتها العاجلة.. ما فرق الإنسان عن سواه من الأحياء إن لم يهذب نفسه ويسيطر على رغباته؟ ما الذي كرّم بني آدم غير قدرتهم على إدراك الصورة الكاملة وتأخير اللذة العاجلة؟ لقد حملنا الأمانة، ونحن الآن في خضم الأداء.. وفهمنا الرسالة، ونحن اليوم في جهاد نفس وحمل جسد.. لكنها أمانة عظيمة! وجزاء أدائها أعظم، لن يناله كل أحد.. ولذا ...

الكهف.. حيث يتجلى النور

في ذلك التجويف الصغير.. المسمى كهفًا.. أو غارًا.. نجده مختليًا بنفسه.. هاربًا من ضجيج العالم إلى هدوء الجبل وسكينته.. معتليًا تلك الصخور.. مقتربًا من السماء، حيث ينتمي.. يتأمل ويتفكر.. يسرح في ذكرياته.. يستجمع شتاته.. يستمع إلى صوت قلبه.. ذلك الصوت الفطري البريء.. وهناك فقط.. بعيدا عن كل تأثير .. يصل إلى النور المبين. قصةٌ مألوفة.. ومتكررة.. لربما أثناء قراءتك لهذه الأسطر خطر ببالك شخصٌ ما! من الأنبياء والعبّاد، أو من الفلاسفة والعلماء. هؤلاء مَن ترتبط سيرهم عادةً بالخلوات.. منها تبدأ رسائلهم.. وفيها تتجلى الحقائق لهم. وقد تتشابه تجاربهم مع الذين خاضوا تجربة الحبس -أبعدنا الله عنها-  اختلوا بأنفسهم.. فتأملوا ..فاتضحت الرؤى. ورغم سماعنا لأخبارهم وقراءتنا لسيرهم.. قلما نعتبر بها ونتخذ من التأمل مسلكًا لنا! قلما نختلي مع أنفسنا.. نستمع لقلوبنا ونُسكت كل صوت آخر.. ويزداد الأمر صعوبة في زمن لم تقتصر فيه الأصوات على دائرتنا المحيطة! بل أصبح ضجيج العالم كله مختزلا في تلك الأجهزة الصغيرة بين أيدينا.. فهل سنقوى على إخراسه؟ أم سيظل يعلو ويرتفع حتى تضمحل أصواتنا الداخلية وتُنسى؟ والأدهى.. أن ...

أما بعد

أنختُ الركاب أخيرًا.. التقطتُ أنفاسي.. حبستها في صدري.. وتحسستُ نبضاتي التي تهدأ رويدًا رويدًا.. وراقبتُ بصبرٍ راحتا يداي ترتخيان. إنها بداية فترة تستحق بجدارة أن تسمى فترة.. سكن فيها كل شيء .. وتوقف فيها الزمن الذي كنا نشكو تسارعه .. واختفى ذاك الضجيج .. وتلاشى ذاك الزحام .. مضى كل شيء! وبقيتُ أنا .. والصمت. وافقَت فترتي إجازة عيد الفطر.. وكان من حسن حظي! فقد انشغلت بالتعبد في الليالي العشر وبالتجهز والتخطيط للعيد، فلم يكن لدي مجال للتفكير..حتى انقضى أسبوع شوال الأول.. وعاد كل واحد إلى عمله أو دراسته.. أما أنا -وقد أنهيت آخر مقرر لي قبل إجازة العيد- فلم يكن ورائي شيئا. أتذكر الأحاسيس الجديدة التي راودتني يومها.. شعرت بالخوف من المجهول.. شعرت بحيرة شديدة في أخذ الخطوة القادمة.. وقلق من الركون إلى الكسل والفراغ. مشاعرأختبرها للمرة الأولى! مشاعر ما بعد التخرج.. رؤية العالم  من جهة أخرى .. الإحساس بالزمن بطريقة غير التي اعتدنا عليها طوال حياتنا. أقفُ أمام التقويم السنوي .. فأرى أشهرًا غير التي عرفتها منذ طفولتي.. أرى أشهر الصيف الثلاثة فلا أرى كلمة (الإجازة الكبيرة) تربط بينها بالقلم ...

صفعة

 هاجسان.. يصدح الأول بحماس: اغتنمي كل فرصة وأي فرصة! إنها العشرينات من عمرك، إن لم يكن الآن فمتى؟ والآخر يهمس مشفقا: لنفسك عليك حق، تنفسي واتركي العالم وراءك، ما زال في العمر بقية هاجسان .. لم يكفا عن المحاولة  في وقت كلفت فيه نفسي ما لا تطيق، وألقيت بها في محيط لم أدرك بعد عمقه، ولم أختبر بعد قدرتها على خوضه خشيتُ أن يمضي الزمان بلا إنجاز يذكر، فبالغت في رد فعلي، وأنجزت الكثير خشيتُ أن يفنى العمر بلا أثر يُترك، فآثرت السعي على الراحة، بلا توسط ولا تريثٍ ولا تفكير وكلما أتتني فرصة قلت لها: "نعم" وبكل رحابة صدر: "تم" امتلأت حياتي بالفرص، وقررت قبولها كلها دفعة واحدة! كلها يا روان؟  "نعم" هذه الكلمة هي رأس البلاء.. هي البلاء كله.. هي وشقيقتها الكبرى: "تم" تحومان حول أفكاري، تجريان على لساني، تسيطران على أحبال صوتي.. تتظاهران على الغدر بي، حين تلقيان بي فجأة في محيط الفرص اللامتناهية وترحلان وظيفة في الصيف؟ "نعم" قيادة لجنة طلابية؟ "تم" قيادة لجنة أخرى؟ "نعم" فرصة عمل أخرى؟ تم نلتقي في المقهى؟ "نعم" سفرية يوم ...

متاهة الضد

 منذ فترة ليست ببعيدة حضرتُ لقاءً ثقافيًا في أحد مقاهي الرياض الأدبية كان عنوانه: فلسفة الحب والكراهية لم تكن غاية اللقاء أن يجيب على تساؤلاتنا، بل أن يحفزها وإن كنا قد دخلنا بيقينٍ تام بأفكارنا فقد خرجنا مجرّدين منه يملؤنا التساؤل والشك في ذلك اللقاء طُرح تساؤل: هل الحب ضد الكره؟ للوهلةِ الأولى نظن أن المنطق لا يحمل إلا إجابة واحدة! تساؤل آخر يتولد منه فيقول: هل بالضرورة أن نكره ما لا نحبه؟ ألا توجد منطقةٌ محايدة في المنتصف لما لا نحبه ولا نكرهه في ذات الوقت؟ أتذكر أني حينها ذُهلت! كيف لسؤال بسيط مثل هذا أن يشعرني بأن إحدى مسلّماتي قابلةٌ للنقاش؟ بل للدحض! أخذتُ أفكر بصوتٍ مرتفع مع جمع الحضور الذين يناقشون آراءهم ويدافعون عنها كنتُ أحاول قياسَ كل تساؤلٍ بناءً على تجاربي لأتبيّن حقيقته وما هي إلا ثوانٍ حتى يفاجئني ذلك الرأي الذي يجعلني أعيد حساباتي مرة تلو الأخرى انتهى اللقاء..ولم تنتهِ التساؤلات بل كانت رفيقتي في طريق عودتي إلى البيت وصلت أخيرا، وقبل نزولي من السيارة فتحت هاتفي وكتبت في الملاحظات: هل لكل شيء ضد؟ .. عندما أقيس مسألةً مثل الحب والكره على طبيعة العلاقات بين الناس أج...