الكهف.. حيث يتجلى النور (2)
وهَذِهِ الدَّارُ لا تَغْرُرْكَ زَهْرَتُهَا
فَعَنْ قَرِيْبٍ تَرَى مُعْجِبكَ ذَاوِيْهَا..
فَارْبَأ بنَفْسُكَ لا يَخْدَعكَ لامِعُهَا
مِنَ الزَّخَارِفِ وَاحْذَرْ مِنْ دَوَاهِيْهَا..
خَدَّاعَةٌ لَمْ تَدُمْ يَوْمًا عَلَى أَحَدٍ
وَلا اسْتَقَرَّتْ عَلَى حَالٍ لَيَالِيْهَا..
نقرأ من مثل هذه الأشعار، ومن الأقول المأثورة،
ومن أفواه الحكماء..
نسمع ولا نعي أن دوام الحال من المحال، وأن لا
مستقر ولا اطمئنان إلا في الحياة الآخرة..
لتأتي سورة الكهف توقظنا، يضرب الله لنا فيها
الأمثال ويقص لنا القصص..
يعلمنا -جل في علاه- مرة واثنتين وعشرة، أن
السلامة في التخلي لا في التمسك، في العطاء لا في المنع..
في معاندة النفس لا في الاستسلام لرغباتها
العاجلة..
ما فرق الإنسان عن سواه من الأحياء إن لم يهذب
نفسه ويسيطر على رغباته؟
ما الذي كرّم بني آدم غير قدرتهم على إدراك
الصورة الكاملة وتأخير اللذة العاجلة؟
لقد حملنا الأمانة، ونحن الآن في خضم الأداء.. وفهمنا
الرسالة، ونحن اليوم في جهاد نفس وحمل جسد..
لكنها أمانة عظيمة! وجزاء أدائها أعظم، لن يناله
كل أحد..
ولذا جاء مفهوم "الابتلاء" ليفرّق بين
من جاهد نفسه ومن اتبع هواه..
بين من جعل أداء الأمانة أولويته ولو على حساب
نفسه وولده، وبين من آثر تحقيق رغباته ونسي غاية الخلق.
ومن هنا جاءت التفرقة بين "زينة
الحياة" وبين "الباقيات الصالحات" التي ذكرتها في الجزء الأول من
التدوينة.
فالابتلاء مرتبط بهذه الزينة، بوجودها أو عدمه، بقدر
الانغماس فيها، وانشغال الفكر بها.
وفي سورة الكهف تذكير مستمر بما هو زينة، بما هو
متغير ومتقلب، وزائل لا محالة.
فلنكمل وقفاتنا وتأملاتنا مع آياتها:
توقفنا عند قوله -جل جلاله-:
( وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ
وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا)
بداية النهاية.. حين يزول كل شيء، ولا يبقى على
وجه الأرض شيء!
الأرض التي بذلت البشرية ما بذلت لتعمرها، من نحت
البيوت في الجبال إلى ناطحات السحاب..
ستنتهي قصتها في ذلك اليوم، الذي سينتهي فيه كل
شيء.
سنرى الأرض بارزة خالية، لا جبال فوقها ولا أبنية
ولا زروع، نحن وحدنا من حملنا الأمانة ومن سنحاسب اليوم عليها.
في ذلك اليوم المهيب، لن يغادر الله منا أحدا، أي
لن يترك أحدا كائنا من كان! كل سينال حسابه.
سنعرض على ربنا، كل واحد يقف بين يدي ربه، وكتاب
أعماله (سيرة حياته) حاضرا أمامه..
( لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا
كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَا)..
حينها سيرى ما أفنى فيه عمره، وسيدرك الفرص التي
فاتته، والدنيا التي فتنته..
وتأمل معي كيف وردت هذه الكلمة مرتين: (فلم
نغادر) (لا يغادر)..
حتى الكلمات الواردة في سورة الكهف تذكرنا بحقيقة
المغادرة! قد اختارها الله ببلاغة وبحكمة.
(و وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً
وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً )
كم مرة شعرنا فيها أننا أشقياء في حياتنا؟ وأن
غيرنا حظه أكبر ويعيش في نعيم نحلم به؟
كم مرة راودنا شك في العدل الإلهي ونحن نقص على
غيرنا أحوال حياتنا؟
نشكو، نتذمر ونندب حظنا.. غير مدركين أننا نسيء
الأدب ونكفر بالنعم!
نرى الصورة غير مكتملة، والأحرف بدون نقط..
وندرك -بعد فوات الأوان- أن ربنا جل في علاه لم
يظلمنا قط!
ولكننا ظلمنا أنفسنا حين اخترنا السخط على الرضا،
و"الزينة" على "الباقيات".
ثم يذكرنا الله بالعداوة الأبدية، بمن أقسم على
إغواء البشرية بكيده..
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ
لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ
أَمۡرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن
دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا)
هذا هو عدوكم! هذا هو من يسعى لتزيين الدنيا لكم!
أفتتخذونه وليا؟
وتدبر
معي، كيف أن قصة تمرد إبليس وعصيانه وردت بعد آيات الحساب والجزاء..
كأنها تقول لنا: إن من أقسم أن يفني عمره في
إغوائكم هو العدو الحقيقي، فاحذروا أن يزين لكم الباطل فيصدكم عن الحق.
انتبهوا، وحكّموا عقولكم، قبل أن يعرض عليكم كتاب
أعمالكم فتقولوا بحسرة (يا ويلتنا).
قد جُبلتم على التعلق بزينة الحياة الدنيا،
وأُمرتم ألا تنشغلوا بها..
لكن جزءا من التحدي أن تنتصروا على وساوس إبليس
وذريته، فهل ستظفرون به؟
يقول جل في علاه بعد هذه الآيات: (وَلَقَدۡ
صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖ وَكَانَ
ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا)
"شيء" .. لست يا إنسان سوى شيء، من
أشياء كثيرة في هذا الكون..
حين يخاطب الإنسان بهذه الصيغة ويوصف بهذا الوصف
يتذكر حجمه ومنزلته..
يتذكر أصله، ونسبته إلى خالقه الأعظم.. فيتواضع
لربه ويكف عن تحكيم عقله.
كم نرى اليوم من أشخاص يجادلون في كتاب الله،
ويتكبرون عن أوامره ونواهيه..
محكّمين عقولهم المحدودة، معجبين بأنفسهم،
مستعلين بحجم علمهم..
ظنا منهم أنهم أعلم بالأصلح والأصح من خالقهم
الذي يعلم ما توسوس به أنفسهم!
والجدال طبع في الإنسان مذموم، حتى على مستوى
الخلق..
وفي آيات الكهف ما ينهى عن الجدال ويذمّه ومنها:
(فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا)،
( وَيُجَٰدِلُ
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ)،( فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن
شَيۡءٍ)..
فالجدال -وإن كان الإنسان محقا- فيه من المساوئ
الكثير!
قد يستعلي به الإنسان على الخلق، وقد يبذل جهده
لإقناع الطرف المخالف ولو بوسيلة غير مشروعة..
وقد يدخل في خصومة مع أحد جراء جدال لم يقتنع فيه
أحدهما!
ولذا كان الجدال في الحج منهيا عنه (فلا رفث ولا
فسوق ولا جدال في الحج)
ولذا جاء في الحديث: (أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض
الجنة لمن ترك المراءَ وإن كان مُحقًّا)
فالانتصار في الجدال له لذة لا أحد ينكرها، لكنها
لذة عاجلة، لذة دنيوية لا تستحق العناء..
وربنا تعالى يعلمنا الصبر حتى على هذه اللذة!
فيتغير منظورنا للانتصار جذريا، ويصير انتصارنا
الحقيقي هو على أنفسنا وأهوائها.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ
رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا)
تصور، أن
أشد الناس ظلما (لنفسه) هو مَن أعرض عن آيات ربه ولم يكترث بها..
من يسمع آيات الله، أوامره جل وعلا، تذكيره،
تخويفه وتبشيره.
بل يدخل فيها كما ذكر المفسرون مَن لم يتدبرها
ولم يعمل بها ولم يتفكر في عواقب ما ارتكبه.
فكان جزاءهم: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً)
حُرموا لذة تلاوته، ومتعة تدبره، وطمأنينة
سماعه.. فأي عقاب أشد من هذا؟
تأتي بعد تلك الآيات قصة نبي الله موسى عليه
السلام مع العبد الصالح (الخضر)
قصة تؤكد لنا أن في طيّ كل محنةٍ منحة..
قصة العدل الإلهي، والسر السماوي..
يتساءل فيها كليم الله، كما نتساءل نحن فيما خفيت
علينا أسبابه..
ربما نرى تفسير إجاباتنا، وندرك السر.. وربما
تفنى أعمارنا ونحن في حيرة..
أما نبي الله موسى، فقد أرضى الخضر فضوله، وأخبره
عن السر خلف كل ما حصل..
وخلّد الله حوارهما، حتى نفهم نحن أن إلهنا مدبرٌ
حكيم..
يعطي لحكمة ويمنع لحكمة، ويضع كل شخص في المكان
الأصح وفي الوقت الأنسب..
(أما السفينة) (وأما الغلام) (وأما الجدار) ..
لكل حادثة حديث، وأعجوبة، وسر!
احذر أن ترى الصورة الناقصة وتطلق الأحكام..
سفينة خُرقت لكي يراها الملك الظالم معيبة
فيتركها وشأنها..
غلام قُتل لئلا يكون سببا في شقاء أبويه، وحفظا
لإيمانهما..
جدار أُقيم دون أجر، كرامة من الله يُحفظ بها كنز اليتيمين..
مهما رأيت في بعض الأقدار من ظلم وإجحاف، تأكد أن
العلّة في منظورك وحكمك..
وأنك لم تستطع الصبر، ولم تفهم الأمر..
خرق السفينة خير من إبحارها إلى درب هلاكها..
وتعثر الخطى خير من بلوغ وجهة مؤذية..
وعشرات الصفعات خير من البقاء في غفلة وسبات..
وكل تقدير وتدبير تجد في باطنه (رَحْمَةً مِّن
رَّبِّكَ) وإن بدى في ظاهره (شَيْئاً نُّكْراً)
ثم تأتي حكاية ذي القرنين، الذي أوتي من كل شيء
سببا..
وحكم الأرض من غربها إلى شرقها!
كلما بلغ قوما، عاملهم بالعدل والإحسان..
ولما سُئل بناء السد بمقابل يُدفع له كان ردّه:
(ما مكنّي فيه ربي خير)
لم يكن يحسن إلى الناس من أجل منفعة، لم يكن يريد
منهم جزاء ولا شكورا..
وهكذا ينبغي أن نربّي أنفسنا.. نضع الآخرة نصب
أعيننا..
نأخذ من الدنيا على قدر الاحتياج، ونترك الباقي لوجه
الله
وخُتمت سورة الكهف كما ابتدأت..
تذكّرنا بأن الحياة الدنيا ما هي إلا فصل من الكتاب، وجزء من الرحلة
وأن أكبر الخاسرين فيها هم (ٱلَّذِينَ ضَلَّ
سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ
صُنْعاً)
مخيفة وموجعة هذه الحقيقة.. أن يظن أحد أنه يتجه
نحو القمة بينما هو ينحدر نحو الهاوية
يبدأ من أسفل الهرم، يفني عمره في الوصول إلى
قمته.. و حين يصل.. يدرك أن الهرم نفسه كان خدعة!
أنه استمر في اللهث وراء أوهام أسموها
"نجاحا".. ونسي معيار النجاح الحقيقي.
يقول الله عن أولئك الأخسرين ( فَلاَ
نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً )
مهما علا قدرك بين الناس، ومهما رُفعت وقُدّرت، قيمتك
الحقيقية وقدرك الذي تستحق هو ما عند الله..
كلنا في نهاية المطاف سنقف على صعيد واحد وسنُحاسب
أمام الله وحدنا..
فلننظر ما قدّمنا لمثل ذلك الموقف، علّنا نكون ممن (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً).
تعليقات
إرسال تعليق