صفعة
هاجسان..
يصدح الأول بحماس: اغتنمي كل فرصة وأي فرصة! إنها العشرينات من عمرك، إن لم يكن الآن فمتى؟
والآخر يهمس مشفقا: لنفسك عليك حق، تنفسي واتركي العالم وراءك، ما زال في العمر بقية
هاجسان .. لم يكفا عن المحاولة
في وقت كلفت فيه نفسي ما لا تطيق، وألقيت بها في محيط لم أدرك بعد عمقه، ولم أختبر بعد قدرتها على خوضه
خشيتُ أن يمضي الزمان بلا إنجاز يذكر، فبالغت في رد فعلي، وأنجزت الكثير
خشيتُ أن يفنى العمر بلا أثر يُترك، فآثرت السعي على الراحة، بلا توسط ولا تريثٍ ولا تفكير
وكلما أتتني فرصة قلت لها: "نعم" وبكل رحابة صدر: "تم"
امتلأت حياتي بالفرص، وقررت قبولها كلها دفعة واحدة!
كلها يا روان؟
"نعم"
هذه الكلمة هي رأس البلاء.. هي البلاء كله.. هي وشقيقتها الكبرى: "تم"
تحومان حول أفكاري، تجريان على لساني، تسيطران على أحبال صوتي..
تتظاهران على الغدر بي، حين تلقيان بي فجأة في محيط الفرص اللامتناهية وترحلان
وظيفة في الصيف؟ "نعم"
قيادة لجنة طلابية؟ "تم"
قيادة لجنة أخرى؟ "نعم"
فرصة عمل أخرى؟ تم
نلتقي في المقهى؟ "نعم"
سفرية يوم واحد؟ "تم"
فرصة تدريبية مبكرة؟ "نعم"
دورة تمتد لأشهر؟ "تم"
فرصة تطوعية؟ "نعم"
كشتة؟ "تم"
إلى أن أوشكت على الانفجار! وما زالت: "نعم"
إلى أن وهن جسمي واشتكى عقلي! وظللت أكررها: "تم"
أستحق صفعة، بل عشر صفعات
كي استيقظ من كابوس مثل هذا
ولأضع حدا لكل هذا
وجاء اجتماع اليوم (بعنوان: دوّن) مثل صفعة
أعادني إلى التدوين الذي أصبح به شفافة أمام نفسي
طوال أشهر كنت أهرب منه بحجة أن لا وقت لدي
وفي حقيقة الأمر كنت أهرب من نفسي التي كلفتها فوق طاقتها، وقيّدتها بمئة قيد
أخرستُها، ولما تجرأت أن تنطق، تجاهلتها.. فعادت أدراجها .. عادت إلى : "نعم" وإلى "تم"
إلى رأسي البلاء، وسارقتي الهناء
أما اليوم، فها أنا أمامها
مثقلة بالذنب، أريد الخلاص فهل من سبيل؟
بعد ألف قيد وقيد.. بعد العهود التي مُضيت.. والآمال التي بُبنيت
هاجس يستنكر: كيف تخيّبين الرجاء؟ كيف تقولين لا؟ كيف تتحملين أمرا كهذا
وهاجس يلجمه: وهل خيبة آمالهم تستحق أكثر من نفسك؟
مثل التساؤل الأخير هو ما يفضحني فأقف ذليلة لا أملك إلا جوابا واحدا:
" لا أحد يستحق ولا شيء يستحق"
كلمة "يستحق" تذكرني بكلمة "يسحق"
لقد سحقتُ نفسي، من حيث أردت نجاتها
دمّرتها، من حيث أردت بناءها
وأعدها الآن، وعدا صادقا، أني سأحررها من تلك القيود المرهقة
من الأفكار.. من العهود..من كل شيء
سأخرجها من تحت هذه الأنقاض
سأزيل كل ما يعتليها، صخرة تلو صخرة
ثم أنفخ بتنهيدة طويلة لأُذهب عنها كل الأتربة الصغيرة العالقة
فيا نفسي..
اقبلي أسفي، اعفي عني
لن أعود، سأخلّصك من كل الوعود
سُحقا لكل من سواك، لآملالهم وتطلعاتهم التي بنيت على حساب راحتك
أما أنت فلتأمري قدر ما شئتٍ وأنا عبدٌ مطيع.
تعليقات
إرسال تعليق