الكهف.. حيث يتجلى النور
في ذلك التجويف الصغير.. المسمى كهفًا.. أو غارًا..
نجده مختليًا بنفسه.. هاربًا من ضجيج العالم إلى هدوء الجبل وسكينته..
معتليًا تلك الصخور.. مقتربًا من السماء، حيث ينتمي..
يتأمل ويتفكر.. يسرح في ذكرياته.. يستجمع شتاته.. يستمع إلى صوت قلبه.. ذلك الصوت الفطري البريء..
وهناك فقط.. بعيدا عن كل تأثير .. يصل إلى النور المبين.
قصةٌ مألوفة.. ومتكررة.. لربما أثناء قراءتك لهذه الأسطر خطر ببالك شخصٌ ما!
من الأنبياء والعبّاد، أو من الفلاسفة والعلماء.
هؤلاء مَن ترتبط سيرهم عادةً بالخلوات.. منها تبدأ رسائلهم.. وفيها تتجلى الحقائق لهم.
وقد تتشابه تجاربهم مع الذين خاضوا تجربة الحبس -أبعدنا الله عنها-
اختلوا بأنفسهم.. فتأملوا ..فاتضحت الرؤى.
ورغم سماعنا لأخبارهم وقراءتنا لسيرهم.. قلما نعتبر بها ونتخذ من التأمل مسلكًا لنا!
قلما نختلي مع أنفسنا.. نستمع لقلوبنا ونُسكت كل صوت آخر..
ويزداد الأمر صعوبة في زمن لم تقتصر فيه الأصوات على دائرتنا المحيطة!
بل أصبح ضجيج العالم كله مختزلا في تلك الأجهزة الصغيرة بين أيدينا..
فهل سنقوى على إخراسه؟ أم سيظل يعلو ويرتفع حتى تضمحل أصواتنا الداخلية وتُنسى؟
والأدهى.. أن نصبح بعدها في شتات لا هوية لنا.. نتبع الصوت الأعلى.. نسير مع تموجاته.
من هنا تحديدا.. من هذا الهاجس المخيف.. بدأت محاولاتي في التأمل..
في تخصيص وقت للصفاء الذهني..
أترك لعقلي العنان.. وأتنفس بهدوء واطمئنان..
يستمر تدفق الأفكار.. يجري كما الأنهار.. وأنا على ظهر القارب الصغير أتأمله بصمت.
لا أبحث عن شيء بعينه.. ولا أرهق نفسي! ورغم هذا أجد الحقائق متجليةً أمامي!
أرى الصورة الكاملة، كل عنصر عاد إلى حجمه، وكل مسارٍ تبينت نهايته.
واحدة من هذه التجليات..أدركت فيها الحقيقة الكبرى، وشعرت أني ذلك العابد الناسك في كهفه.
حقيقة غيّبتها عني غفلتي، ومحدودتي.. وقصر نظري..
وأرشدتني إليها "سورة الكهف".. التي كانت كهفي الذي أويت إليه.. فتجلى لي النور.
العجيب أنني اعتدت تلاوتها كل جمعة.. منذ أن كنت في العاشرة وحتى يومي هذا -ولله الفضل والمنة-
وبرغم حرصي على فهمها وتفسيرها.. وبرغم حضوري لمجالس تدبرية لها..
إلا أنني لم أتلُها يوما كما تلوتها بعد تأملي هذا.
كنت أراها سورة يرد فيها من القصص ما نعتبر به، فأقرأ كل قصة على حدة
كنت أرى السورة أقساما متفرقة، مثل فصول الكتاب.
لكنني اليوم أراها فصلا واحدا .. سطرا واحدا.. كلمة واحدة..
أراها تقول لي ذات الأمر في كل مرة، في كل قصة، وفي كل مَثل، وفي كل آية.
تبدأ بذات الأمر، وتنتهي به، تأتي به في قصة ثم في أخرى، وما بين القصص.
سورة أوصى الرؤوف بنا -صلوات الله عليه- بتلاوتها كل أسبوع..
تذكرنا في غفلتنا.. توقظنا من سباتنا..
تقول لنا: لا تطمئنوا هنا.. هذا ليس مقركم.. ولا الذي ترونه ملكا لكم.
تقول لنا هذه الكلمات بطريقة مختلفة في كل مرة، لعلنا نستوعب الأمر، ونعمل بمقتضاه.
لعلنا ندرك أننا على سفر، كما قال الأصمعي في أبياته:
الناسُ في هَذِهِ الدُنيا عَلى سَفَرٍ
وَعَن قَريبٍ بِهِم ما يَنقَضي السَفَرُ
فَمِنهُمُ قانِعٌ راضٍ بِعيشَتِهِ
وَمِنهُمُ موسِرٌ وَالقَلبُ مُفتَقَرُ
ولن نكون قانعين راضين إلا إذا استوعبنا أننا على سفر، وكشفنا الغطاء الذي أبعدنا عن هذه الحقيقة.
فتأتي سورة الكهف المنزلة من السماء، لتكشف عنا الغطاء، وترينا ما يمكث وما يذهب جُفاء.
فلنأخذ السورة بتسلسل آياتها وقصصها، متأملين متدبرين..
يقول ربنا عز وجل:
﴿الۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لهُ عِوَجَا﴾
الحمدلله الذي أنزل على عبده الكتاب هاديا لنا ومرشدا، ينتشلنا من ظلمات الجهل والضلال..
دستورا واضحا، ومنهاجا محكما، مرجعية ثابتةً، وتبيانًا لكل شيء.
تأتي أول آيات الكهف تذكيرا بهذه النعمة التي هي أجل النعم وأتمها..
تأتي تذكيرا أن لنا مرجعية محكمة لا يحيد عنها إلا هالك!
أن إلهنا الذي خلقنا لم يتركنا في تيهٍ بلا خارطة ترشدنا.. بل أنزل الكتب وأرسل الرسل..
وجميعهم بنفس الرسالة (اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر).. (فلا تغرنكم الحياة الدنيا)
ثم يذكر الله الغاية من إنزال كتابه: (قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ...) باختصارٍ وإيجاز..
وكل ما بين دفّتي هذا الكتاب العظيم لن يخرج عن هذين الأمرين: بشرى، ونذارة.
ومن الوقفات الجميلة التي تأسرني هي قوله جل جلاله: (مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدا)
الخلود، القرار، الأبدية، مصطلحاتٌ لها ارتباطٌ وثيق بالدار الآخرة، ولا تأتي إلا في سياقها.
فيا ليتنا نتمعّن ونرى بأعين بصائرنا حقيقة زوال الدنيا!
الحقيقة التي تأتي في أول السورة، بعبارةٍ مباشرة لا تحتمل سوى معنى واحد:
(إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا * وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا)
آية تقرأها كل أسبوع.. تأتيك مثل الصفعة، تؤلمك لكنها توقظك، فتراجع حساباتك، وتعيد ترتيب أولوياتك.
ستفرّق بين العمل الحقيقي وبين الزينة، بين ما سيذهب جفاءً وما سيمكث في الأرض.
سترى النجاحات الحقيقية، التي سترجح بها الموازين، وتبيضّ بها الوجوه، وترتقي المنازل.
وتتجلّى لك أوهام النجاح، التي يصدح بها من ظنّوا أن الدنيا هي الوجهة الأخيرة.
لا أقول أن للنجاح صورة واحدة، أو وسيلة واحدة، لكنه في نظرة الإسلام كل عمل صالح يوصل لرضا الله..
فخذ هذه المعيار وزِن به عملك لا أكثر!
لكن تذكر: إن لم تشغل نفسك بتحقيق الغاية العظمى من الخلق، فنفسك ستشغلك لا محالة..
إما بزينةٍ مباحة، أو بمعصيةٍ ترجح بها الكفة الأخرى.
ولا أحد يسرّه أن يكون ممن ضل سعيه وأضاع فرصته، حتى وإن كان في مباح.
وفي قصة أصحاب الكهف والرقيم ما يدل على أن تحقيق الغاية من الخلق هو سبيل العقلاء في كل الأزمان..
وهذه الحقيقة هي مما استجد علي بعد إدراكي تلك الرسالة العظيمة التي تبعثها لنا الكهف..
نرى أولئك الفتية يتركون الدنيا وما فيها، يتركون أقوامهم، وديارهم، وأهليهم، مقابل كلمة الحق..
مقابل الحقيقة الكبرى التي يتمحور الكون كل الكون حولها.. مقابل راحة الضمير، والخلاص من التناقضات..
قالوا بكل حزم: (رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهۦٓ إِلَٰهٗا لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا)وانتهى النقاش!
وجدوا -أخيرا- ما يمنح لحياتهم معنى، وما يجيب على تساؤلاتهم، وما ينقذهم من هذا الشتات..
لن يتخلوا عنه مقابل أمرٍ لا برهان على صحته!! (لوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖ).. لا سلطان.. فلا رجوع عن قرار الرحيل.
هكذا يفكر العقلاء.. أعطني حجة! حدثني بمنطق! لا تقل لي هذا ما وجدت عليه أبي.
ما يجعلني أعيد التأمل والتفكير.. هو كونهم (فتية)! أي في عمرٍ هو الأقرب للاغترار بزينة الدنيا..
ومع هذا اختاروا طريق الحق.. تركوا الدنيا وزينتها، ولجؤوا إلى الكهف.. توكلوا حق التوكل.. أتعلمون ما حق التوكل؟
هو أن ترى جميع الأبواب موصدة ولا تيأس.. وتوقن أن خالق الكون الأكبر لن يعجز عن مشكلتك الصغيرة هذه.
التوكل الحق أن ترى منفذا للنور في عتمة الكهف، وتبصر في ضيقه سعةً، ورحمةً وتيسيرًا ورفقًا.
وحينئذٍ تظهر المعجزات، وتتبدل النواميس، ونرى آيات الله المذهلة يسخّرها لمن لجأ إليه.
ثم يذكرنا الله بقدر هذا الكتاب ومكانته، وأنه الكتاب المحفوظ أبد الدهر من التبديل والتحريف:
(وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلۡتَحَدٗا)
وفيها من الطمأنينة الكثير، ومن التخويف ذات القدر..
إذ نفى الله عن كتابه أن تبدّل كلماته، وسخّر من عباده من يحفظه ويعتني به، بل ويفني عمره في ذلك.
فنطمئن أن كتاب ربنا الذي هو مرجعنا ومرشدنا محفوظ من التحريف.
ثم نحذر أشد الحذر من أن نلتجئ إلى غيره.. أو نحتكم إلى غير حكمه..
فإننا حينها لن نجد ملجأً ولا ركنًا .. بل سنعيش في دوامةٍ فكرية لا ندري فيها أين الصواب من الخطأ.
ثم ساقت السورة الكريمة آيةً في أدب المجالسة، هي المبدأ في العلاقات، والحَكم في الصداقات، تأمّلها معي:
(وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا
وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا)
نزلت هذه الآية -كم روى المفسرون- في أشراف قريش..
حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده، بعيدًا عن ضعفاء أصحابه وفقرائهم..
كان معيارهم حينها :"الفلاح الدنيوي" الذي تدلنا الكهف مرة تلو مرة أنه "زينة" لا أكثر!
وأن قيمة الشخص الحقيقية ليست فيما يملك، بل فيما يفعل.. فيما يقدم..
فلا أحد منا قد اختار وضعه الاجتماعي، لم نختر بلداننا ولا قبائلنا، ولا أهلينا..
لكن الخيار كان لنا فيما نقدّمه من عمل، في إصلاح أنفسنا، وتهذيب أخلاقنا، وتقديم العون لغيرنا..
فيوصي الله نبيه -وقدوة هذه الأمة- أن يجاهد نفسه ويصرفها عن النظرة الدنيوية السطحية في العلاقات..
فهي وإن كان لها نفع فإن مصيره الفناء، بل ووجوده في حد ذاته ابتلاء، وقد يورث الغفلة واتباع الهوى!
ويأمره -سبحانه- أن يجاهد نفسه التي جُبلت على حب الدنيا وزينتها، وأن يجالس مَن يورث قربهم رضا الله..
مَن يصلحه قربهم، ويهذّب خلقه، ويذكره بالغاية الكبرى إن نسيها..
وما عدا ذلك من صفاتهم إنما هو "زينة" وليس أساسا.
آيةٌ تقرأها كل أسبوع.. هي مرجعيتك، تعرض عليها صحبك وجلّاسك.. فإما تصبر نفسك، وإما الفرار.
تذكرنا الكهف أن الدنيا ليست إلا جزء من القصة، مرحلة مؤقتة، والعدل الإلهي يقتضي أن يجازى كل واحد بما قدّم..
الظالم سيلقى عقابه الشديد، وستشفى قلوب المظلومين ولو بعد حين..
ومرة تلو أخرى، تطمئننا آيات الكهف وقصصها :(إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا)
كل صبرٍ ومصابرة، كل إيثار على النفس، كل امتناعٍ عن رغبة، كل دمعة فراق، كل شكة ألم! لن تضيع سدى..
كل استيقاظٍ لصلاة، كل جوعٍ من صيام، كل إشفاقٍ على مسكين، كل إماطة أذى، كل سعيٍ في إصلاح مختصمين..
سنتذاكرها في جنات عدنٍ (مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ).. لا يمسنا حزن ولا نصَب.
أما في قصة صاحب الجنتين وحواره مع صاحبه، فتتجلى الرسالة في أبهى صورها!
وتتلخّص حقيقة الدنيا وسرعة تقلّبها.. واغترار الإنسان بها حدّ الجحود.
ومما استجدّ علي بعد تأملي -لهذه القصة على وجه الخصوص- كيف ينقلب حال الإنسان العاقل..
يصبح عبدًا للمال، مكبّلًا بقيوده، يظن أنه المتحكِّم في حين أنه المتحكَّم به!
والعجيب في حال الإنسان أنه كلما كثر ماله زاد حرصه وإمساكه!
فترى من لا يملك إلا كفايته يبادر ويجود بما لديه.. أما من يملك ثروات طائلة فيمسكها ويبخل بها!!
صاحب الجنتين قد بلغ من الجحود مبلغه، واغترّ بماله إلى الحد الذي جعله يظن أنه باقٍ على حاله أبد الدهر..
فبدأ منطقه الأعوج بالتفاخر بزينةٍ مصيره الفناء: (أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا)
ثم أتبع تفاخره كفرًا: (مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدٗا وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَة) وهذا يحدث بالتدريج..
فيبدأ بتغيير نظرته للدنيا، من دار فناء إلى دار بقاء، من رحلة إلى وجهة..
ثم لما يطمئن بها ويركن إليها، يساوره الشك في حقيقة الدار الآخرة..
حتى يصل إلى مرحلة السخرية: (ولَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا)
لن تنقلب قناعاته في يوم وليلة..ستحدث الانتكاسة ببطء وهدوء شديدين..
لن يشعر بها.. لكنه سيستيقظ يوما (يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا)..
وقد أدرك أنه قد أفنى عمره وهو يرى الحياة على غير حقيقتها.
تقرأ القصة كل أسبوع.. ترى حالك مع المال.. مع الفتنة التي تُعمي البصر والبصيرة..
فتدرك حجمه الحقيقي، وقيمته الفعلية، وسرعة زواله..
تدرك أنه وسيلة وليس غاية.. وأن وجوده بين يديك هو امتحان بحد ذاته..
وحرمانك منه هو رحمة بك، ومصلحة لك..
فإن الله سبحانه يعطي كل واحدٍ بقدر ما يصلح له.. وهو أعلم بنا من أنفسنا..
يعلم بحكمته مَن يفسده الغنى ومَن يفسده الفقر، فيوزّع الأرزاق بمشيأته وحكمته..
ولنا أن نرضى ونسلّم، ونعمل ونتوكّل، وألا نطمع ولا نبخل.. فما المال إلا "زينة" وما وجوده أو عدمه إلا "فتنة"
وما كثرته بدليل على النجاح ولا قلته دلالة فشل!
ولن يستوعب هذه الفكرة إلا العقلاء، الذين قرؤوا الرسائل الإلهية بتأمل..
فأيقنوا أن جمع المال -من أجل جمعه وتكثيره- لم يرد في كتاب الله إلا في مقام الذمّ!
(الذي جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده)، (ما أغنى عنه ماله وما كسب)، (يقول أهلكت مالا لبدا)
(وجعلت له مالا ممدودا)، (أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين)، (شغلتنا أموالنا وأهلونا)
(وتأكلون التراث أكلا لمّا * وتحبون المال حبا جمّا)، (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذّبين)
يحزنني حقيقةً أن أرى جمع المال من أجل تحقيق الثراء هو الهدف الأول في حياة الكثيرين..
غير مدركين أنه من أعظم الابتلاء، وبه ينشغل الإنسان إلى حد لا يمكنه تصوره.. ويشهد على ذلك التاريخ ويؤيده الحاضر.
لكنه التأثر بأفكار غير المؤمنين بالآخرة، محدودي النظر، الذي يرون الحياة هي النهاية ولا شيء بعدها.
يقول نبينا صلوات الله وسلامه عليه:
"والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم."
وتأتي بعد قصة صاحب الجنتين آيتان تعيدان كل شيء إلى نصابه.. كل شيء.. إجمالاً وتفصيلا..
(وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا) هذه الأولى.
( ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا) وهذه الثانية.
فالأولى في حقيقة الحياة وسرعة تقلبها..
قال الإمام الرازي: اعلم أن المقصود: اضرب لهم مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا، وقلة بقائها.
والمعنى: واذكر لهم- أيها الرسول الكريم- ما يشبه هذه الحياة الدنيا في حسنها ونضارتها،
ثم في سرعة زوال هذا الحسن والنضارة، لكي لا يركنوا إليها، ولا يجعلوها أكبر همهم، ومنتهى آمالهم.
مرة أخرى يقول الله لنا: ستزول هذه الدنيا .. كما يزول النبات بعد مضي موسمه..
أرأيت يوما تلك الأوراق الصفراء وهي تسقط من الأشجار؟ أرأيت كيف تحملها الرياح بعيدا كأنها ما اخضرّت يوما؟
تخيل أن هذه الدنيا سيحصل لها مثل هذا بالضبط..
وما وصولها لذروة زينتها وزخرفها إلا دلالة اقتراب زوالها..
فكرة مخيفة، لكنها الحقيقة التي يجب علينا تذكرها كل يوم وكل ساعة، حتى لا نجعل الدنيا هدفنا الوحيد.
أما الآية التي تليها فهي في القيمة الحقيقية لما بين أيدينا..
(المال والبنون)، (والباقيات الصالحات).. كل شيء بين أيدينا لن يخرج عن هذين.. فما حقيقة كل واحد؟
(الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا)، الزينة ذاتها التي قال عنها في أول السورة (وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا)..
الزينة ذاتها التي لن تقدّم ولن تأخّر بحد ذاتها، بل بكيفية تسخيرنا لها وعملنا بها.
الزينة التي قد يحرم منها أحد ويعطى أحد، فلا يحق لنا أن نقيّم أحدا على أساس وجودها..
الزينة التي قال الله عنها في سورة أخرى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة)..
الزينة التي قد تكون سببا في نجاة أحدنا أو في هلاكه.. وهي رغم هذا كله (زينة)!
كلمة واحدة من أربعة أحرف، ليس فيها حرف استعلاء واحد، ولا لوقعها على المسامع تأثير..
والزينة لا تأتي إلا بعد الأساس..
لن يتزين أحد بالحلي والعطور إلا بعد أن يشتري ملبسه (الأساس)
ولن يزين أحد بيته بلوحة أو تحفة فنية إلا بعد أن يشتري الأثاث (الأساس)
ولن يزين أحد مائدته بأنواع الحلوى إلا بعد أن يضع الأطباق الرئيسية (الأساس)
وهكذا يجب أن نتعامل مع المال والبنين.. أن نعتبر وجودهما زينة لا أكثر..
فإن كان وجودهما زينة فما هو الأساس في هذه الحياة؟
جاء التعقيب منه -سبحانه- بقوله: (وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا)
وللباقيات الصالحات وقعٌ قوي على الأسماع، ما بين أحرف استعلاء وشدة، وقوة في المعنى..
وقد فسّرها أهل العلم بأنها الأقوال الطيبة، والأعمال الحسنة، التي تبقى ثمارها للإنسان.
قال الإمام ابن جرير- رحمه الله- وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: هن جميع أعمال الخير.
إحسانك إلى جارك، ابتسامتك في وجه من تلقى، كلمتك الطيبة، تيسيرك على معسر، بذلك للمال في أوجه الخير،
صلتك لرحمك -وإن قطعوك-، إخلاصك في عملك -وإن لم يشكروك-، اجتنابك الحديث عن أحد بسوء،
إعانتك المحتاج، تنازلاتك عن رغباتك برا بوالديك، جهادك لنفسك لكل طاعة، صبرك على الصلاة والصيام،
إيثارك صحبة القرآن، إعراضك عن أماكن السوء، تعاملك المهذب مع الناس، احترامك للكبير ورفقك بالصغير،
رفقك بالمخلوقات الضعيفة، تلك الرحمة في قلبك، تلك الإنسانية، ذلك الرضا بقضاء الله، تلك المحبة للناس،
عملك للخير دون مقابل، نيتك الصافية، حسن ظنك، تسخيرك علمك في الخير، تربيتك الصالحة، نصيحتك لغيرك...
هذا جزء يسير من الباقيات الصالحات،
أعمال الخير التي إن نويت بها وجه الله بقيت في صحيفة أعمالك.. وسرّك أثرها في الدنيا والآخرة..
المهم أن تعملها بدافعٍ إيماني لا يشوبه شك..
أن تعمل موقنا أن هذا هو النجاح الحقيقي في الامتحان الدنيوي: إصلاح نفسك، وما عداه ليس سوى "زينة"
أولم يقسم الله جل في علاه أحد عشر قسما في سورة الشمس أن الفلاح الحقيقي هو تزكية النفس؟ (قد أفلح من زكاها)
فما الذي فعلناه اليوم لأجل تحقيق هذا الهدف؟ ما الذي تركته فينا سورة الكهف من أثر؟
إلى هنا -وقد انتصفت السورة فقط- شعرت أنني كنت مغيّبة!
أين كنت من هذا الكهف؟ أين كنت من هذه الرسالة؟ كيف لم ألحظ ترابط السورة بهذا الشكل؟
كل الآيات تؤشر على حقيقة واحدة.. كل الحكايات تخفيها بين طيّاتها..
كم مرة وردت كلمة "زينة" في السورة؟ هذه الزينة التي تلهينا عن الفهم وتشغلنا عن التأمل..
كم مرة ذكرتنا بالدار الآخرة .. وبالجزاء العادل..
كم مرة أخبرتنا أن الأرض زائلة، أنها مؤقتة بما عليها..
ومع هذا.. نقرأها ثم نعود أدراجنا.. نلهو كأننا مخلّدين فيها.
لنا في منتصف السورة الثاني من العبر ما لا يقل عما ذُكر..
لكنني آثرتُ فصلها في تدوينةٍ أخرى حتى لا يطول المقال.
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)
تعليقات
إرسال تعليق