أما بعد
أنختُ الركاب أخيرًا.. التقطتُ أنفاسي.. حبستها في صدري.. وتحسستُ نبضاتي التي تهدأ رويدًا رويدًا.. وراقبتُ بصبرٍ راحتا يداي ترتخيان.
إنها بداية فترة تستحق بجدارة أن تسمى فترة.. سكن فيها كل شيء .. وتوقف فيها الزمن الذي كنا نشكو تسارعه .. واختفى ذاك الضجيج .. وتلاشى ذاك الزحام .. مضى كل شيء! وبقيتُ أنا .. والصمت.
وافقَت فترتي إجازة عيد الفطر.. وكان من حسن حظي! فقد انشغلت بالتعبد في الليالي العشر وبالتجهز والتخطيط للعيد، فلم يكن لدي مجال للتفكير..حتى انقضى أسبوع شوال الأول.. وعاد كل واحد إلى عمله أو دراسته.. أما أنا -وقد أنهيت آخر مقرر لي قبل إجازة العيد- فلم يكن ورائي شيئا.
أتذكر الأحاسيس الجديدة التي راودتني يومها.. شعرت بالخوف من المجهول.. شعرت بحيرة شديدة في أخذ الخطوة القادمة.. وقلق من الركون إلى الكسل والفراغ.
مشاعرأختبرها للمرة الأولى! مشاعر ما بعد التخرج.. رؤية العالم من جهة أخرى .. الإحساس بالزمن بطريقة غير التي اعتدنا عليها طوال حياتنا.
أقفُ أمام التقويم السنوي .. فأرى أشهرًا غير التي عرفتها منذ طفولتي.. أرى أشهر الصيف الثلاثة فلا أرى كلمة (الإجازة الكبيرة) تربط بينها بالقلم العريض.. أرى سبتمبر فلا يعني لي بداية عام دراسي.. ولا أرى في يناير اختبارات منتصف العام وإجازة الشتاء.. وأشهر الربيع الثلاثة التي تتخللها أيام تعليق الدراسة ويؤذن قدومها باقتراب نهاية العام، ما عادت كما كانت.
أتنقل بنظراتي بين مربعات الأشهر وأسطر الأيام..أرى أرقاما وأحرفا ولا أفهم شيئا!
من أنتم الآن؟ ما الذي غيركم بعد كل هذه السنين؟ لماذا فقدتم معانيكم ونزعتم الأقنعة التي تميزكم؟ متى أصبحتم بهذا التشابه وتلك الرتابة؟
كانت تلك المشاعر هي أول اصطداماتي بالواقع.. بحياة الكبار.. الحياة التي لا أحد فيها يخطط نيابةً عنك .. ولا يتخذ فيها أحد قرارا سواك أنت.
تبدو حرية في ظاهر الأمر .. لكنها مسؤولية كبيرة وحيرة ترافقك في كل خطوة.
اثنا عشر عاما في مدارس التعليم العام .. وخمسة أعوام في مقاعد التعليم الجامعي.. لم نكن فيها أحرار بهذا القدر، لكننا نجونا من دوامة الحيرة.
كانت الخطوة التالية معروفة دائما.. فبعد الصف الأول ندرس الثاني.. وبعد المتوسطة تأتي الثانوية.. قد تؤرقنا بعض الخيارات أحيانا مثل اختيار المسار في الثانوية واختيار التخصص الجامعي.. إلا أنها تظل أهون بكثير من اتخاذ قرار في حياة ما بعد التخرج.
العجيب في الأمر.. أننا عشنا طوال سنين دراستنا بانتظار هذه اللحظة! وحين وصلنا تفاجأنا بها .. شعرنا أنها باغتتنا .. ووجدنا أنفسنا في حال ما بين خوف وتوجس وحيرة .. وبالعامي (لخبطة).
تلك المشاعر والأفكار طبيعية .. يمر بها كل شخص يمر بمراحل انتقالية في حياته.. ويشهد بذلك كثير من الناس .. لكن غير الشائع هو التحدث بها وتداول النصائح والتجارب علنا.
أما قبل التخرج: فكل شيء بمقدار .. وأما بعد: فخرج منها خائفا يترقب.
وألخص تجربتي في التعامل مع هذه المخاوف في عدة خطوات:
الأولى: أن يختلي الإنسان بنفسه ليفهمها ويعرف بالضبط ما أكبر هاجس يشغل باله.. بالنسبة لي كان الخوف من الفراغ.. من أن أعيش أياما متشابهة رتيبة.. وخوفي الأكبر هو أن أعتادها فلا أغادرها.
الثانية: ألا يجعل تلك المخاوف تحركه لاتخاذ أي قرار .. فيكون دافعه الخوف لا الرغبة.. مثل التقديم على أي عمل وانتهاز أي فرصة دون تفكير.. قد يشعرك هذا بلذة الانتصار على مخاوفك لكنك من جانب آخر ترهق نفسك وتستنزف طاقتك.
الثالثة: أن يسمح الواحد منا لنفسه بفترة راحة وليعتبرها إجازة طويلة مثل إجازة نهاية العام.. فنحن وإن كبرنا على مقاعد الدراسة التي غادرناها.. لن نكبر أبدا على الراحة وعلى الحاجة للاستمتاع بالأنشطة والهوايات التي نحبها.. تكّرم على نفسك وجد عليها بأيام تتنفس فيها.. وتجدد طاقتها.
الرابعة: مشاركة الآخرين .. (ما عدا الأبطال الخارقين على لينكد إن) مشاركة مخاوفنا وتساؤلاتنا ستشعرنا أننا لا نخوض الأمر وحدنا فيخفّف هذا من وطأته الكثير.. إلى جانب تبادل الخبرات والمشورة في التخطيط لما هو قادم.
وخلال تلك الخطوات وقبلها وبعدها لا بد أن يحسن الواحد فينا الظن بربه.. فهو المدبر الحكيم الذي في تدبيره ما يغني عن الحيل.. فكيف نقلق من الغيب ونحن نؤمن بعالم الغيب الذي لا تخفى عليه خافية؟ عش يومك وفوّض إليه أمرك.
أما بعد: فعسى ربنا أن يهدينا سواء السبيل.
تعليقات
إرسال تعليق