من مائدة الطعام.. فكرة.. ثم مبدأ حياة
كان يوما كسائر أيامي..
عدتُ من دوامة الدراسة و العمل التي علقتُ بداخلها مؤخرا
كان أبي يتابع نشرة الأخبار اليومية و أمي تجهّز الغداء في المطبخ
رائحة الهيل و القرنفل تداعب أنفي.. ورائحة الإيدام الغني بالنكهات تقودني إلى المطبخ
أنا التي لم أتذوق كسرة خبز منذ السادسة صباحا
أفتح القدر المعدني لأستنشق تلك الرائحة الزكية الفواحة
ثم أتجه إلى غرفتي مرورا بالصالة التي امتلأت بحولقة أبي إثر سماعه خبرا مريعا من تلك النشرة
اغتسلت و بدلت ثيابي ثم اجتمعنا على طاولة الطعام كما هي العادة
تبادلنا أطراف الحديث، أبي يتحدث عن غرامة لمخالفة قواعد السير ينتظر وصولها في رسالة نصية إلى هاتفه
أمي تتحدث عن زحام المشفى وعن سجل المواعيد الذي لم تجد فيه شاغرا إلا بعد أشهر
وأنا أذم زحمة السير التي جعلت مشوار العشرين دقيقة يستحيل إلى ساعة ونصف
إلى هذه اللحظة كان كل شيء يسير كعادته..
فجأة تغير مجرى الحديث و أخذت الأصوات تعلو و نبرات الصوت تحتد
حين قال أبي بدون مبالاة : يبدو لي الإيدام سائلا أكثر من اللازم .
نعم.. كانت تلك الجملة و أشباهها هو ما يستفز أمي أكثر من أي شيء قد يُقال
أمي التي يعشق الجميع ما تعده من أطعمة، الأقرباء والجيران وحتى الغرباء
أمي التي تعلمت فنون الطهي المصري منذ نعومة أظافرها
ثم هاجرت إلى السعودية في شبابها لتتلعم أصول الأطعمة النجدية
ثم ارتبطت برجل يمني بسيط فتعلمت من أجله بعض الأكلات الشعبية اليمنية
و استمرت على ذلك أجيالا تعقبها أجيال، حتى كبرت و انحنى ظهرها، لكنها استمرت
حتى أصيبت بمرض عصبي نادر! لكنها استمرت رغم الألم
رقدت شهرين أو ثلاثا في المشفى و كانت تحن إلى مطبخها
أذكر أنها في يوم من أيام رقودها هناك طلبت من أختي أن تحضر لها بعض الفاصولياء كي تقطعها!
مبررة ذلك بأنها تحتاج أن تمرن يديها لكن الجميع كان يعلم السبب
كان الطبخ يأخذ حيزا كبيرا من يومها بل من حياتها! لم تكن تتقن شيئا كإتقانه
كانت دائما ما تقول أن المرأة الناجحة هي المرأة التي تعد الطعام الشهي
فكيف لها أن تسمع من ينتقد طعامها و تتقبل نقده بكل أريحية؟
إنها تسمع ذلك النقد كالطعن في ذاتها! كأن من ينقد طعامها يشتمها بأقبح الأوصاف
وكأن أبي حين قال لها أن الطعام ليس جيدا أو ينقصه شيئا كأنه قال لها أنت امرأة غير ناجحة
فخرجت عن طورها، انفجرت وعلا صوتها و أخذت تذكره بأنها تطبخ رغم مرضها فلماذا لا يحمد ربه
ثم أخدت تلومه و تقول له أنت لا يعجبك شيء من الأساس و حنى إذا فعلت العكس لن يعجبك وستقول ينقصه بعض الماء
أنتم يا معشر الرجال تظنون أن الطبخ أمره سهل قتنتقدون طعامنا بغير مبالاة
يتنفس أبي الصعداء ثم يكمل طعامه في صمت
تراه صامتا فتكمل حديثها : انظر كيف تأكله بنهم دليل على أنه لذيذ لكنك تحب الانتقاد لا تستطيع ألا تنتقد
أبي ينظر إلي نظرة استغاثة يريدني أن أغير مجرى الحديث
أتنحنح ثم أقول : كيف حال سلطان الصغير لم نره منذ فترة
تقول لي اتصلي به عبر السناب و تكمل عتابها لوالدي
أحاول مرة أخرى فأقول أمي أمي أريد الذهاب إلى الحديقة اليوم يبدو الجو جميلا
فتنظر إلي بطرف عينها وترد : هل هناك من قيدك بحبل أومنعك من الذهاب؟
و تكمل حديثها الذي أقسم بالله لن ينتهي حتى لو سحب والدي كلامه
أستسلم و أقوم من على المائدة أحمد الله ثم أدعو أن ينتهي حديثهما على خير
أتجه نحو غرفتي أسترخي على السرير و أفكر بعمق
يا ترى لماذا تنفعل أمي بهذا القدر من موضوع صغير كهذا ؟
هل يعقل أن تكون مهووسة بالطهي إلى هذه الدرجة!
ثم حتى إذا كان هذا صحيحا هل يعقل أن تقوم الدنيا في كل مرة ينتقد فيها أحد طعامها؟
أخذت أسترجع كل المواقف المشابهة لهذا الموقف في ذاكرتي
ثم أدركت أن هذا بالفعل ما يحصل في كل مرة
لا ينجو بفعلته من يتجرأ و يعلق تعليقا سيئا على ما تعده أمي، بالرغم من أن هذا نادر الحدوث
ثم أخذت أفكر.. إنني أعرف الكثير ممن يعشقون الطهي
لكن ردات فعلهم تبدوا أهدأ و يتقبلون النقد شاكرين لك أو معتذرين عن تقصيرهم
فأين يكمن الفرق يا ترى؟
أدركت بعد تأمل أن الفارق الكبير أن أمي ترى الطبخ هو كل حياتها
بينما من هم غيرها يرونه هواية إلى جانب هوايات أخرى
أمي ترى أن المرأة الناجحة لا تخطئ في إعداد طبق وحتى إن أخطأت تعزو ذلك لأسباب محيطة كرداءة المكونات مثلا
بينما من هم غيرها يقرون بأن الخطأ وارد و أن الخطأ لا يعني أنهم غير ناجحين
من هنا توقفت عن التفكير في الطبخ وفي ذاك الموقف
وبدأت أفكر في تكريس الشخص حياته في سيبل شيء واحد إنه خطأ عظيم بل و كارثي!
إننا حين نعطي كل اهتمامنا لشيء واحد فهذا يعني أننا ننزل بأنفسنا إلى مستوى لا يليق بنا
فنرى أنفسنا ناجحين إن حققناه وفاشلين إن حدث خطأ صغير في تحقيقه
إننا حين نختار هواية واحدة أو هدفا واحدا نحققه نظلم بذلك أنفسنا وندمرها
نظلمها لأننا سنتعب في سبيل تحقيقه و سنود أن نكون أفضل من غيرنا إن حققناه و سيتحول إلى منافسة تهلك الأعصاب
ونظلمها لأننا سنحرمها من اكتشاف هوايات أخرى أجمل وأكثر متعة
ويمكننا أن نعمم موضوع التنويع حتى على الدراسة والعمل، فلا يعني أن تدرس تخصصا معينا أن تصب كل اهتمامك على هذا التخصص وحده؛
حتى لا تصاب بالإحباط إن فشلت فيه يوما أو تعذر عليك أن
تعمل مستقبلا في وظيفة في مجال تخصصك
اقرأ في أي مجال آخر تراه مشوقا، اقتطع له وقتا من يومك،
المهم ألا تجعل توجهك إلى مجال واحد فقط
التنويع و صَب الاهتمام على أكثر من شيء سيجعل منك إنسانا أفضل، إنسانا لديه الكثير من الخبرات و المعلومات
إنسانا مرنا في تعامله و تفكيره، على عكس من يهتم بشيء واحد تراه يفكر بطريقة واحدة اعتاد عليها
و أكبر ما ستجنيه من ذلك أنك ستكون متقبلا للنقد لا تراه انتقاصا
إذ أنك بارع في عدة مجالات فإذا حصل خطأ في أحدها لن يعني ذلك أنك فاشل
إلى جانب العديد من الفوائد التي ستجنيها إذا عملت بهذا المبدأ
أقف هنا.. وأترك لك المجال أن تتمعن جيدا في حياتك و أن تفكر ماذا باستطاعتك أن تضفي عليها لتكون أكثر تنوعا وتشويقا
عدتُ من دوامة الدراسة و العمل التي علقتُ بداخلها مؤخرا
كان أبي يتابع نشرة الأخبار اليومية و أمي تجهّز الغداء في المطبخ
رائحة الهيل و القرنفل تداعب أنفي.. ورائحة الإيدام الغني بالنكهات تقودني إلى المطبخ
أنا التي لم أتذوق كسرة خبز منذ السادسة صباحا
أفتح القدر المعدني لأستنشق تلك الرائحة الزكية الفواحة
ثم أتجه إلى غرفتي مرورا بالصالة التي امتلأت بحولقة أبي إثر سماعه خبرا مريعا من تلك النشرة
اغتسلت و بدلت ثيابي ثم اجتمعنا على طاولة الطعام كما هي العادة
تبادلنا أطراف الحديث، أبي يتحدث عن غرامة لمخالفة قواعد السير ينتظر وصولها في رسالة نصية إلى هاتفه
أمي تتحدث عن زحام المشفى وعن سجل المواعيد الذي لم تجد فيه شاغرا إلا بعد أشهر
وأنا أذم زحمة السير التي جعلت مشوار العشرين دقيقة يستحيل إلى ساعة ونصف
إلى هذه اللحظة كان كل شيء يسير كعادته..
فجأة تغير مجرى الحديث و أخذت الأصوات تعلو و نبرات الصوت تحتد
حين قال أبي بدون مبالاة : يبدو لي الإيدام سائلا أكثر من اللازم .
نعم.. كانت تلك الجملة و أشباهها هو ما يستفز أمي أكثر من أي شيء قد يُقال
أمي التي يعشق الجميع ما تعده من أطعمة، الأقرباء والجيران وحتى الغرباء
أمي التي تعلمت فنون الطهي المصري منذ نعومة أظافرها
ثم هاجرت إلى السعودية في شبابها لتتلعم أصول الأطعمة النجدية
ثم ارتبطت برجل يمني بسيط فتعلمت من أجله بعض الأكلات الشعبية اليمنية
و استمرت على ذلك أجيالا تعقبها أجيال، حتى كبرت و انحنى ظهرها، لكنها استمرت
حتى أصيبت بمرض عصبي نادر! لكنها استمرت رغم الألم
رقدت شهرين أو ثلاثا في المشفى و كانت تحن إلى مطبخها
أذكر أنها في يوم من أيام رقودها هناك طلبت من أختي أن تحضر لها بعض الفاصولياء كي تقطعها!
مبررة ذلك بأنها تحتاج أن تمرن يديها لكن الجميع كان يعلم السبب
كان الطبخ يأخذ حيزا كبيرا من يومها بل من حياتها! لم تكن تتقن شيئا كإتقانه
كانت دائما ما تقول أن المرأة الناجحة هي المرأة التي تعد الطعام الشهي
فكيف لها أن تسمع من ينتقد طعامها و تتقبل نقده بكل أريحية؟
إنها تسمع ذلك النقد كالطعن في ذاتها! كأن من ينقد طعامها يشتمها بأقبح الأوصاف
وكأن أبي حين قال لها أن الطعام ليس جيدا أو ينقصه شيئا كأنه قال لها أنت امرأة غير ناجحة
فخرجت عن طورها، انفجرت وعلا صوتها و أخذت تذكره بأنها تطبخ رغم مرضها فلماذا لا يحمد ربه
ثم أخدت تلومه و تقول له أنت لا يعجبك شيء من الأساس و حنى إذا فعلت العكس لن يعجبك وستقول ينقصه بعض الماء
أنتم يا معشر الرجال تظنون أن الطبخ أمره سهل قتنتقدون طعامنا بغير مبالاة
يتنفس أبي الصعداء ثم يكمل طعامه في صمت
تراه صامتا فتكمل حديثها : انظر كيف تأكله بنهم دليل على أنه لذيذ لكنك تحب الانتقاد لا تستطيع ألا تنتقد
أبي ينظر إلي نظرة استغاثة يريدني أن أغير مجرى الحديث
أتنحنح ثم أقول : كيف حال سلطان الصغير لم نره منذ فترة
تقول لي اتصلي به عبر السناب و تكمل عتابها لوالدي
أحاول مرة أخرى فأقول أمي أمي أريد الذهاب إلى الحديقة اليوم يبدو الجو جميلا
فتنظر إلي بطرف عينها وترد : هل هناك من قيدك بحبل أومنعك من الذهاب؟
و تكمل حديثها الذي أقسم بالله لن ينتهي حتى لو سحب والدي كلامه
أستسلم و أقوم من على المائدة أحمد الله ثم أدعو أن ينتهي حديثهما على خير
أتجه نحو غرفتي أسترخي على السرير و أفكر بعمق
يا ترى لماذا تنفعل أمي بهذا القدر من موضوع صغير كهذا ؟
هل يعقل أن تكون مهووسة بالطهي إلى هذه الدرجة!
ثم حتى إذا كان هذا صحيحا هل يعقل أن تقوم الدنيا في كل مرة ينتقد فيها أحد طعامها؟
أخذت أسترجع كل المواقف المشابهة لهذا الموقف في ذاكرتي
ثم أدركت أن هذا بالفعل ما يحصل في كل مرة
لا ينجو بفعلته من يتجرأ و يعلق تعليقا سيئا على ما تعده أمي، بالرغم من أن هذا نادر الحدوث
ثم أخذت أفكر.. إنني أعرف الكثير ممن يعشقون الطهي
لكن ردات فعلهم تبدوا أهدأ و يتقبلون النقد شاكرين لك أو معتذرين عن تقصيرهم
فأين يكمن الفرق يا ترى؟
أدركت بعد تأمل أن الفارق الكبير أن أمي ترى الطبخ هو كل حياتها
بينما من هم غيرها يرونه هواية إلى جانب هوايات أخرى
أمي ترى أن المرأة الناجحة لا تخطئ في إعداد طبق وحتى إن أخطأت تعزو ذلك لأسباب محيطة كرداءة المكونات مثلا
بينما من هم غيرها يقرون بأن الخطأ وارد و أن الخطأ لا يعني أنهم غير ناجحين
من هنا توقفت عن التفكير في الطبخ وفي ذاك الموقف
وبدأت أفكر في تكريس الشخص حياته في سيبل شيء واحد إنه خطأ عظيم بل و كارثي!
إننا حين نعطي كل اهتمامنا لشيء واحد فهذا يعني أننا ننزل بأنفسنا إلى مستوى لا يليق بنا
فنرى أنفسنا ناجحين إن حققناه وفاشلين إن حدث خطأ صغير في تحقيقه
إننا حين نختار هواية واحدة أو هدفا واحدا نحققه نظلم بذلك أنفسنا وندمرها
نظلمها لأننا سنتعب في سبيل تحقيقه و سنود أن نكون أفضل من غيرنا إن حققناه و سيتحول إلى منافسة تهلك الأعصاب
ونظلمها لأننا سنحرمها من اكتشاف هوايات أخرى أجمل وأكثر متعة
ويمكننا أن نعمم موضوع التنويع حتى على الدراسة والعمل، فلا يعني أن تدرس تخصصا معينا أن تصب كل اهتمامك على هذا التخصص وحده؛
حتى لا تصاب بالإحباط إن فشلت فيه يوما أو تعذر عليك أن
تعمل مستقبلا في وظيفة في مجال تخصصك
اقرأ في أي مجال آخر تراه مشوقا، اقتطع له وقتا من يومك،
المهم ألا تجعل توجهك إلى مجال واحد فقط
التنويع و صَب الاهتمام على أكثر من شيء سيجعل منك إنسانا أفضل، إنسانا لديه الكثير من الخبرات و المعلومات
إنسانا مرنا في تعامله و تفكيره، على عكس من يهتم بشيء واحد تراه يفكر بطريقة واحدة اعتاد عليها
و أكبر ما ستجنيه من ذلك أنك ستكون متقبلا للنقد لا تراه انتقاصا
إذ أنك بارع في عدة مجالات فإذا حصل خطأ في أحدها لن يعني ذلك أنك فاشل
إلى جانب العديد من الفوائد التي ستجنيها إذا عملت بهذا المبدأ
أقف هنا.. وأترك لك المجال أن تتمعن جيدا في حياتك و أن تفكر ماذا باستطاعتك أن تضفي عليها لتكون أكثر تنوعا وتشويقا
ممتنة بصدق لذلك الإيدام الذي لم يتبخر ماؤه جيدا
وإلى أبي الذي لاحظ ذلك
وإلى أمي التي لم تتحمل سماع ذلك.
وإلى أبي الذي لاحظ ذلك
وإلى أمي التي لم تتحمل سماع ذلك.
الله عليك ��
ردحذفأشكرك، و أسعدني مرورك
حذف