عودةٌ إلى معركة الطفولة السعيدة

يقول الأديب العظيم مصطفى الرافعي رحمة الله عليه :

 "والطبيعة التي لا تفلح في جعلك معها طفلًا تكون جديدًا على نفسك، لن تفلح في جعلك مسرورًا بها لتكون هي جديدة عليك"

الطفولة والسرور.. كلمتان معقودتان ببعضهما عقدًا لا يُحل. وقد نصفُ أحدًا ما بقولنا أنه يحمل قلب طفل فنقصد به أنه بشوش الوجه ضاحكٌ مسرور كالأطفال. 

فما سرّ هذا السرور؟ 
ما سرُ ضحكات الأطفال البريئة تلك؟ ما سرّ ابتساماتهم التي تعلو محياهم دائما؟  
و لماذا ينظر معظمنا إلى طفولته وكأنها جنة روحية، ويراها أكثر مراحل حياته سعادة؟ 

يُجيبنا توني بوزان على هذه التساؤلات في كتابه "قوة الذكاء الروحي" في فصل كامل بعنوان: (إلى الأمام نحو ملعب الأطفال) 
يستهلّه بقوله : 
" فقد كنا نحيا خلالها (يعني مرحلة الطفولة) في عالم جديد ومدهش بالنسبة لنا كأطفال وكنا نقضي أيامنا في استكشاف جميع حقول المعرفة وطرح الأسئلة المثيرة  والاستفزازية في آن واحد " 

 أحد أسرار بهجة الأطفال وحماستهم يكمن في التعلم والاستكشاف. 
فهم يحيون في هذه الدنيا لأول مرة وبطبيعة الحال يكتشفون العديد من الأشياء الجديدة في كل يوم؛
فتزداد دهشتهم مما يرون و يزداد إيمانهم بأن العالم مليء بالمفاجآت التي تنتظر اكتشافهم لها.
تُبهرهم تلك التفاصيل التي نراها نحن الراشدون أمورًا عادية، وتُذهلهم تلك التفسيرات الكونية العظيمة. 
وبالمقابل، ننظرُ نحنُ إلى كل شيء نظرةً جامدة، بينما يقف الطفلُ في ذهول لا يرفّ له رمش، يقف الراشد بكل برودٍ ولا مبالاة. 
فبالنسبة له، ما يحدث اليوم هو تكرارٌ لما حدث بالأمس، وما سيحدث غدًا لن يختلف كثيرًا. 
فلنقارن على سبيل المثال بين طفلٍ يشاهد تساقط الثلج لأول مرة في حياته وبين راشد يقف بجواره يشاهده للمرة المئة.
ولنقارن بين طفلة سمحت لها أمها بأن تشاركها إعداد الكعك لأول مرة وبين والدتها التي تقف بجوارها تعده للمرة الألف.
يشعر الأطفال بالسعادة والحماس لأنهم (يجربون) و (يستكشفون) أشياء جديدة
 بينما لا نشعر بشيء لأننا (تعودنا)، فقدنا حماسنا الطفولي لأن أحداث الحياة أصبحت مكررة في نظرنا. 

يقول الرافعي : 
"لا يكون السرور دائما إلا جديدًا على النفس، ولا سرور للنفس إلا من جديد على حالة من أحوالها"

البحث عن الجديد إذن هو السر.. هو ما سيدخل السرور إلى أنفسنا. 
ولكن أنّى لنا هذا؟ كيف نغيّر نظرتنا للأمور التي اعتدنا عليها في يومنا؟ 
قد لا نستطيع ذلك، ولكن لحسن الحظ بمقدورنا أن نسترجع حماسنا الطفولي بطريقة أخرى. 
كل ما علينا فعله هو أن نشمر عن سواعدنا و نخوض معركة الطفولة من جديد.
ولا أعني أن نلعب كما يلعب الأطفال في ساحة اللعب، أعني أن نجرب و نستكشف كما يفعلون.
أن نملأ أيامنا بالتجارب التي لم نفعلها من قبل كي تتجدد مشاعرنا و تتغير نظرتنا للحياة.
لنقم بإدخال التنوع إلى كل جانب من جوانب حياتنا، ولنحرص على تجربة كل شيء مرة واحدة على الأقل!
مثل تعلم لغة جديدة، تجربة طبق جديد، رياضة جديدة، زيارة مكان جديد، الاختلاط بمجتمع جديد أو التعرف على شخص جديد.
لنفعل ما لم نفعله من قبل أو ما قلنا أننا لا نتخيل فعله  يوما. حتى ولو كان فيه مخاطرة كبيرة مثل القفز من مكان مرتفع. 
 فالتغلب على المخاوف يمنحنا شعور أفضل و هو من سمات الطفولة التي نفتقرها كذلك.
ولننظر إلى كل هذه التجارب الجديدة بتساؤل واستفسار وسوف نجد ما يدهشنا ويثير إعجابنا لا محالة.
ولنقرأ في مجالات بعيدة عن مجالات عملنا أو تخصصنا الدراسي، فنكتشفُ بحور العلم ونغوص في أعماقها التي تحوي بلا شكٍ كنوزًا مدفونة.

اكتشفاف الجديد هو سرٌ واحدٌ من أسرار بهجة الطفولة، وليس السر الوحيد. فبطبيعية الحال هناك أمور في حياتنا كبالغين تُثقل كاهلنا وتجعلنا أكثر جدية وقسوة على أنفسنا. 
لكننا رغم هذا، لا يجب أن نتوقف  عن محاولاتنا في العثور على ذلك الطفل الذي في داخل كلٍ منا، ذلك الطفل الذي ننساهُ كلما تقدم بنا العمر وجرفتنا مشاغل الحياة. 
فصفاتٌ مثل: الحماس والاندفاع، والحب غير المشروط، وروح المغامرة، والفضول وحب البحث، وإضفاء المرح على كل شيء.. كلها صفاتٌ فقدناها أو فقدنا جزءًا منها بعد أن أصبحنا راشدين. 
إلا أنّ حقيقة أنها كانت موجودة لدينا في يوم ما تجعل من فكرة استرجاعها أمرًا يسيرًا. 

لا شعور يضاهي في الحماسة شعور تجربة الشيء لأول مرة في حياتك، تغمرك السعادة كأنك ولدت من جديد.
كأن الطفولة عادت إلى قلبك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تكمل الفيلم!

منفذ النور

وآن للقصة أن تكتمل