هواجيس الدائري
ازدحام مروري خانق، أصوات مزامير السيارات مختلطة ببعضها كسيفونية غضب
أعين السيارات الناتئة بتلك الإضاءات شديدة الحدة وكأنها شمس الظهيرة
وأعين الناس داخلها لا تقل عنها حدة، ولا أصواتهم عن أبواقها غضب..
الكل ينطق: نفسي نفسي، ويدهس الأخلاقيات بإطاراتٍٍ أربع..
الكل يصدح: سأصل أولا! وكأنه يفر من جهنم لا من مجرد طريق!
إنها حلبة صراع، يسمونها "الطريق الدائري"
إلا أن التجرد فيها لا يكون من الثياب، بل من الأخلاق.
والفائز لا من يشبع خصمه ضربا، بل من يتجاوزه في المسار معرضا حياتيهما للخطر.
تطغى على من يجلس خلف المقود رغبة عارمة بهذا الفوز..
يشعر بأن المسار الذي هو فيه ملكه وحده..
وأن من يحاول الدخول أمامه هو معتدٍ على كرامته
وبالمقابل يتعدى هو على غيره بلا مبرر معتبرا فعله دهاءً وشجاعة
...
الأنانية..
هي السبب الأول..
حين تكون الفكرة الوحيدة المسيطرة على عقل الإنسان: نفسي نفسي
وكل من حولي هم أشخاص منافسون لي
أتذكر صورة انتشرت منذ فترة في مواقع التواصل
كانت رسمة لمجموعة كبيرة من السيارات في طريق طويل
وفوق كل سيارة كتب وصف لسائقها
على سبيل المثال:
- ذاهبا ليرى مولوده الأول
- خرج محبطا من مقابلة وظيفية
- في رحلة عائلية
- تقود السيارة لأول مرة
- في طريقه لحفل تخرجه
- مغترب وصل لتوه إلى هذه المدينة
- مسنٌ تجاوز السبعين
حين نفكر في من حولنا بهذه "الإنسانية" حتما سنغير من سلوكياتنا
لن نكون نحن والزمان على من قست عليه الظروف
ولن نعكر صفو من كان سعيدا لحظتها.
...
إيقاع الحياة السريع..
سبب لا يمكن إغفاله!
في وقت صار العقل فيه لا يتحمل الانتظار ولو لدقائق..
في زمن مقاطع الريلز السريعة وإدمان الدوبامين..
في زمن الرقمنوة الوصول السريع للمعلومات..
في زمن الأغاني القصيرة، والمسلسلات القصيرة
حيث لا يحتمل الإنسان أن ينتظر، أن يقرأ كتابا، أو يبحث عن معلومة بين السطور
في رتم حياة لا يحتمل فيه الجلوس في هدوء والتقاط أنفاسه
كيف نريد من هذا الإنسان أن يقود سيارته بهدوء؟
ألا يعلق عينيه على إشارة المرور الحمراء ويده على زر المزمار؟
ألا يحاول تسريع وقت وصوله كما يسرع كل شيء حوله؟
الإنسان هنا ربما ضحية، لكنه إن أدرك صار مُلامًا..
ولا بد أن يدرك..
...
الضغوطات النفسية..
محاولاته تفريغها عبر القيادة الجنونية..
الشعور المستمر أن وقته لم يعد ملكه..
أن العمل يسرقه، وازدحام الطريق يسلبه منه..
فيحاول جاهدا أن يوفر وقته غير مكترث بما عدا ذلك..
محاولة إثبات نفسه..
التي لم ينجح فيها في مكان آخر..
فاتخذ من المقود سلاحا ومن نفسه جنديا ومن الطريق معركة
أسباب لا تكاد تنتهي..نتأملها ونعيشها.. ونعاني منها
لكننا يجب ألا ننكر أن التجرد من الإنسانية والأخلاق على رأسها
وتناسينا وصية المصطفى "أعطوا الطريق حقه"
وأيا كان السبب، أرواحنا أعزّ علينا، وحياتنا هي رحلة لا سباق..
- الرياض، السادسة مساء، الدائري الشمالي :)
تعليقات
إرسال تعليق