تذمَّر
جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
(انظروا إلى من هو أسفلَ منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم ، فإنه أجدَرُ أن لا تزدَروا نعمةَ اللهِ عليكم)
رسالة حكيمة أراد بها الذي لا ينطق عن الهوى أن يعلمنا منهجا في القناعة وتهذيب النفس البشرية التي لا تفتأ تطلب المزيد.
كلمة ازدراء أصلها من الإزراء كما جاء في لسان العرب:
"الإزراء: التهاون بالشيء. يقال: أزريت به إذا قصرت به وتهاونت. وازدريته أي حقرته
فالإنسان قد يحتقر النعمة التي بين يديه أي يستصغرها إذا طال نظره لما هو أكبر وأثمن.
ليست هذه قضيتي اليوم..
إنما هي فكرة ذات صلة بمضمون الحديث، بل تساؤلٌ دار في رأسي منذ أيام..
حدثت نفسي وقلت: هل حزني وتذمري من بعض شؤوني هو إحساس طبيعي؟ أم هو ازدراءٌ لما عندي؟
هل هناك حدّ يُسمح للإنسان عنده أن يقف على الأطلال ويندب حظه؟
أم سيُلام دائمًا ويقال له: "احمد ربك على اللي عندك".. ؟
ثم فكرت قليلًا.. فأدركت أنه إحساس طبيعي ولا بأس أن يتذمر الإنسان بين الفينة والأخرى ما دام معظم وقته شاكرًا لأنعم الله قنوعًا بها..
بل الخطأ الجسيم هو أن نجعل الشعور بالذنب هو ما يثنينا عن التنفيس عن مشاعرنا..
يرى البعض أنه لا يحق لك التذمر بشأن وظيفتك! غيرك لا يملك وظيفة..
ولا يحق لك أن تشكو من عناء تربية الأبناء وغيرك محروم من الذرية..
ولا يحق لك أن تتألم من جرح في إصبعك وغيرك مبتور اليد..
هو أسلوبٌ يُرى من ناحية كتخفيف ومواساة، ومن ناحية أخرى تهميش لقدر معاناتك.
لكن المؤكد أن هذه الأحاسيس طبيعية ولا شأن لها بازدراء نعمة الله عليك..
من وجهة نظري، هو جزء من التوازن الذي يعيشه كل إنسان على الأرض.. بغض النظر عن ظروفه.
لا بد من تواجد النقيضين: السرور والحزن
ومهما كانت أسباب الحزن صغيرة بالنسبة للآخرين، فنحن المقياس الحقيقي، نحن الذين نعيشها
يحقّ لنا أن نشكو ونتألم، ثم نحمدالله ونتجاوز الأمر، وألا نكبت مشاعرنا أو نشعر بالذنب.
لن نصل إلى تلك المثالية المفرطة فنحن بشر في نهاية المطاف!
يتألم المقتدر حين تتعطل سيارته، ويتألم المسكين من سيره على قدميه.
يشكو أحدهم من تدني جودة الأغذية، وآخرٌ في بلد بعيدة يشكو من الجوع..
لأن الإنسان يكبر وتبقى أحاسيسه كما هي، كل ما في الأمر أنها تتكيّف مع المحيط الذي هي فيه.
وعودةً إلى حديث المصطفى صلوات الله وسلامه عليه..
حريٌ بنا أن نخالط من هم دوننا في أمور الدنيا.. أن نرأف بحالهم ونكون بجوراهم
إحسانًا لهم على الصعيد الأول، ثم تذكيرًا لأنفسنا بقدر النعم في حياتنا.
تعليقات
إرسال تعليق