دموعٌ على أستار الكعبة

"دموعٌ على أستار الكعبة"  عنوان قصيدة كتبها الشيخ أبو المعاطي 


صدقًا، لم أكن أعرفه ولا قصيدته إلى عهدٍ قريب.. 

كنت في الحج، في عرفات تحديدًا، شعرتُ بالنعاس الشديد بعد الغداء فقررتُ تشغيل التلبية على هاتفي

كتبت في خانة البحث: "لبيك اللهم لبيك" وتركت البرنامج يتخيّر ما يود تشغيله

وضعتُ السماعة في أذني وأخذتُ ألبّي وأهلل وأكبر حتى أطرد النعاس وأتقوّى على الدعاء

 هذه القصيدة، كانت من ضمن القائمة التي أظهرها البرنامج 

كدتُ أن أوقفها، لكن كلماتها العذبة استوقفتني فتركتها وجلستُ أتمعن كلماتها بكل جوارحي، أشارككم بعض أبياتها :


يا مَنْ أتاه الناسُ كي يتطهروا ... وأتيتُ فيهم كي أعودَ مُطَهَّرا

لكنني دون العبادِ جَميعِهِم ... ذنبي عظيمٌ قد يَنُوءُ به الورى

فَطَمِعتُ فيكَ وجئتُ بيتك ضارعًا ... مُتضرعًا والعيبُ مني قد جرى


يا الله 💔 رقّ قلبي واقشعر بدني منذ الأبيات الثلاثة الأولى..

كلنا هنا في عرفات، باختلاف ألسنتنا وألواننا، وأعمارنا وأجناسنا، بتفاوت درجاتنا العلمية، ومستوياتنا المادية.. 

جئنا إلى هنا ذليلين منكسرين خاضعين لا نرجوا إلا رحمة  الله ومغفرته

يقول في البيت (لكنني دون العباد جميعهم ذنبي عظيم)

كل واحدٍ فينا يشعرُ في تلك اللحظة أنه يحمل ذنوبًا على عاتقه تفوق كل مَن حوله

كل واحدٍ يبكي بحرقةٍ نادمًا على تقصيره وعلى ذنبه، ظانًا أن ذنبه عظيمٌ ولن يغفر! ناسيًا قول ربه (لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا)

ناسيًا أن إلهنا رحيم ودود، كتب على نفسه الرحمة وجعلها تسبق غضبه! أي اطمئنانٍ أكبر من هذا؟


يا ماءَ زمزم، هل ستغسِلُ عاصيًا ... بالأمس عاش على الخطيئةِ وامترا

واليومَ قد جاء الكريمَ بذنبه ... يرجو من الرحمن عفوًا ظاهرا

وأنختُ رحلي عند أحجار الصفا ... والرَّحلُ فيه من المعاصي ما ترى

وهناك ألقيتُ الذنوبَ على الحصى ... فإذا ذنوبي تعتليه وأكثرا

فسعيتُ نحو الْمَرْوِ أبكي حالتي ... والكل يَسعى ضاحكًا مُسْتَبْشِرا


حين يبدع الشاعر في وصفه يصلُ إليك المعنى والشعور كأنك من يعيش اللحظة! 

انظر كيف صوّرَ الذنوب.. تلوّث القلب إلى حدّ أن أطهر ماءٍ قد لا يطهّره منها.. ذنوبًا صارت جبلًا من كثرتها.. 

يتساءل.. هل سيغفرها الله له؟ 

كيف لا؟ وهو من يبسط يده بالليل والنهار ليتوب الناس؟ 

 كيف لا؟ وهو من يحب التوابين الأوابين بل ويدعوهم ليغفر لهم


وازحفْ مع الجمع العظيم ملبيًا ... واجمعْ من العرفاتِ خيرًا وافرا

وانزلْ بأرضٍ دَبَّ فيها المصطفى ... واحْلُلْ على وادٍ رآه وعَاصَرا

واسألْ صُخُورًا ها هنا عن رِفْقَةٍ ... حَجَّتْ مع المختارِ نُورًا أنورا


كنتُ في عرفاتٍ وأنا أستمع إلى هذه الأبيات

أوقفتُ النشيد قليلاً وأخذتُ أتأمل ما حولي، وأقول في نفسي:

كان الحبيبُ المصطفى وصحابته هنا! جلسوا حيث نحن جلوس، على نفس الأرض وتحت نفس السماء

لمستُ الصخرة التي كنتُ متكئةً عليها وأنا أبتسم واتساءل مَن لمسها قبلي منهم؟

هي أحجارٌ ليس لها قيمة، لكن القلبَ ينتشي حين يرى شيئًا من ذكرى الأحبة



يا صَخْرَ نَمِرَةَ هل سَمِعْتَ خِطَابَهُ؟ ... أَسَمِعْتَ مَنْ رُزِقَ البَيَانَ فَعَبَّرَا

أَسَمِعْتَ: (هَلْ بَلَّغْتُ؟) تُسْأَلُ أُمَّةٌ ... (قالوا: نعم)، والدِّينُ أصبحَ ظَاهرا

أَسَمِعْتَ (اللهم فاشهد) حُجَّةً ... أرأيتَ و (القَصْواءُ) كانت مِنْبَرا


هنا يذكرُ حجة النبي صلوات الله وسلامه عليه وخطبتهُ  في نمرة

تلك الخطبة الشهيرة، والوصايا الحكيمة، وبدايةُ النهاية لعهدٍ ليتنا عشناه.. بجوار نبينا الهادي

بلغَ رسالته وأدى أمانته ثم رحل.. يا شوقنا إلى ذلك الراحل.


عرفاتُ يا جبلَ الدعاء تحيةً ... من عاشقٍ لكَ في هواه تَحَيَّرَا

قد جاء يدعو ربَّهُ في ذِلَّةٍ ... والله يَقْبَلُ مَنْ يشاء وينصرا

يهواك، يشهدُ دَمْعُه وأنينُه ... وَلْتَشْهَدِ الأحجارُ عندك والثَّرَى


جبل الدعاء، جبل الرحمة، جبل الانكسار

هناك رأيت بأم عيني تلك الحشود الخاضعة المنكسرة

هناك أبصرتُ من يدعي وينوح، ومن يرفع يدهُ ساعةً أو يزيد، ومن يلهج بالذكر دون فتور!

هناك شهدتُ ما لم أشهد في حياتي من عزمٍ وقوةٍ وإقبالٍ على العبادة

وهناك رتّلتُ الآياتِ ودعوتُ الله من فجر عرفة حتى الغروب.. وألقيتُ كل حِمل.. حتى استراح الفؤاد وسكن




قِفْ ها هنا، واسترجع الذكرى معي ... واسأل جبالاً، تَسْتَجِيبُ وتُخْبِرا

قِفْ، ها هنا نزل الختامُ، فَمِسْكُهُ ... (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ) فَأَكْمَلَ مَنْ بَرَا

واقرَأْ: (وَأَتْمَمْتُ) فقد نَزَلَتْ هُنا ... فَأَقَرَّتِ الإسلامَ دِينًا آخِرَا


ها هنا اكتملت تعاليم الدين كلها فلم يبقَ إلا العمل بها، بلا زيادةٍ ولا نقصان. 

ها هنا أتمّ الله نعمته علينا، ولا نزال في زحامٍ من النعم لا تحصى عددا..لو قضينا الدهر كله شكرًا لله عليها ما أدينا ذلك الحق. 

أعظمها نعمة الإسلام، هدى الله إليه كل حائر، وثبّت عليه كل سائر، وصانهُ من كل متربّصٍ وعابث. 



عرفاتُ، قد حان الوداعُ وقارَبَتْ ... ساعَاتُه والقلبُ فيكَ مُصَوَّرا

قد شاء ربُّ العالمين فراقَنا ... بعد الغروبِ لكي أعود القهقرى


دمعت عيني، فقد اقترب الغروب حقًا.. ولا يدري الواحد فينا هل سيعود إلى عرفات يومًا؟

وإن لم يعد..فهل سيعودُ أدراجه تائهًا حائرًا متخبطًا في هذه الحياة؟

طفتُ ببصري حول الجبال ورفعتهُ نحو السماء.. رهبةٌ وخشوع.. لم أعهدهما!

قد يرى الواحد فينا عرفات فيجدها أرضًا لا زرع فيها ولا حياة، الجبال الرمادية حولها، والشمس فوقها عارية تماما..

لكنها رغم ذلك تحمل من المعاني ما يجعل القلب يتمزق لفراقها..

عشنا فيها ساعاتٍ من الذكر والدعاء.. ليتها لم تنتهي.


يا راحلين إلى منًى، هيا بنا ... هيا إليها بادئًا ومُكَرِّرا

فقصدتُ جمرتَها لأرمي سَبْعها ... ورفعتُ بالتكبير صوتًا هَادِرا

الله أكبر عند كل قذيفةٍ ... في وجه ذنبي كي أعود مُحَرَّرا

الله أكبر قد رميتُ خطيئتي ... الله أكبر والذنوبَ على الثرى

الله أكبر نَجِّنِي يا خالقي ... مِنْ خِزْي يومٍ خاب فيه مَنِ افترى


كان السير إلى رمي الجمراتِ أكثر ما أجهدني خلال رحلة الحج

الطريق طويل، والشمس في كبدة السماء تحرق رؤوسنا مخترقةً بأشعتها كل حاجز، كل مظلةٍ وقبعة

كنا نكبّر ونستعيذ بالله من وساوس الشيطان ونكمل مسيرنا 

ونقول: أجر إن شاء الله، كفّارة بإذن الله، ونتساءل كيف كان الحج في زمن النبي وأصحابه؟ 

 كان أكثر عناءً ومشقة، وكانوا يصبرون أضعاف ما نصبر

رمينا الجمرات السبع عند كل عقبة مستشعرين أن الشيطان ليس له سلطانٌ علينا

مستشعرين أنه خنّاسٌ ضعيف، أحقر وأصغر من عزيمة المؤمن إن هو استعاذ بالعظيم واستعان به

الله أكبر من كل وساوسك وإغراءاتك، الله أكبر من كل ما تُمليه، إن كان الكبير العظيم الجليل معنا.. فمَن سيكونُ علينا؟ 

نتذاكر قصة إبراهيم الخليل، وندعوا الله أن يمدّنا بإيمانٍ كإيمانه عليه السلام، بقلوبٍ خاضعةٍ مستسلمةٍ لكل ما أمرنا به ربُّنا.. 

فنقول "سمعنا وأطعنا" لكل ما شرَع حتى وإن خالفَ هوانا، كما قالها الخليل وابنهُ، لما أسلما وتلّهُ للجبين.





ورجعتُ نحو البيتِ يسبقني فمي ... فأنا المُتَيَّمُ مُقْبِلاً أو مُدْبِرا

واسأل دهورًا كم عَشِقْتُ خيالَه ... وملأت عيني منه حتى أُبْصِرا

وشربت كأسًا من هواه تيمنًا ... فَغَسَلْتُ كُلِّي منه طيبًا عَنْبَرا

فبدأت أسعى بالإفاضة طائفًا ... متذللاً. متضرعًا. مُستغفرا


طواف الإفاضة، من واجبات الحج.. يجوز جمعه مع طواف الوداع، وهذا ما فعلهُ كل من كانوا معي. 

لكن الحنين إلى بيت الله تمكّن مني، وبلغ مني مبلغه.. فسرتُ مع رفيقةٍ لي نحوهُ خلسةً صباحَ العيد، وكان لتلك الزيارةِ شعورٌ فريد، لا يوصف! 

ما بين أطفالٍ يلبسون ثياب العيد، وكبارٌ يوزعون الحلوى، زحامٌ عند بائعي المثلجات.. ومؤذني الحرم يتناوبون على التكبير والتهليل. 

كنا نطوف ونستمعُ إلى خطبة العيد، وأنا أنظرُ إلى الكعبة حتى أُشبع عيناي منها، ولكن هيهات

في كل مرةّ أنظرُ إلى الكعبة الشريفة أشعرُ أنها المرة الأولى ولا أدري ما سرُّ هذا الشعور! 

كان الخطيبُ يعظ الحجاج ويسأل الله لهم القبول ونحن نؤمّن خلفه.. لا همّ لنا اليوم.. يوم الحج الأكبر.. غير همّ القبول.


جاء الفُراقُ لأرضِ مَكَّةَ بعد ما ... كان اللقاءُ على القلوب مُؤَثِّرا

فذهبتُ للبيت العتيق مُوَدِّعًا ... فَاثَّاقَلَتْ رجلاي أَنَّى أَهْجُرا

وانْهَلَّ من تلك العيونِ سحائبٌ ... بالجمرِ يغلي هائجًا أو فائرا


بعد ثلاثة أيام، عُدتُ إلى المسجد الحرام من أجل طواف الوداع..

مؤثرٌ هذا الاسم، لا أحد يريدُ الوداع، لكن لا بد منه

في كل رحلة، حين أصلي فرضي الأخير في الحرم أنظرُ إلى الكعبة وأنا أحبسُ الدمعَ، وأبتلعُ تلك الغصة بشربةٍ أخيرةٍ من زمزم..

أتثاقلُ في سيري.. وألتفتُ كل دقيقةٍ نحو البيت.. وأدعو الله ألا يكون آخر عهدي به

أما هذه المرة.. فلم أقدر على منعِ دمعي أن ينهمر، ولم تُذهب الغصةُ عشراتُ الأكوابِ من زمزم

حملتُ نفسي بكل ما أوتيتُ من قوة، لكن جسدي أبى المسير.. كل أجزائه تريدُ أن تبقى.. 

 يشعرُ بهذا من كتب الأبيات، لبعدهِ عن مكة.. لكنني هنا.. على بُعدِ ثمانِ ساعات.. فلمَ هذا التأثر والحزن؟ 

من عاشَ أيامَ الحج سيتفهم هذا الشعور.. سبعة أيام.. ليتها سبع سنين..ليتها لم تنتهي.



يا بيتُ، هل هَذي نهايةُ عهدِنا؟ ... يا بيتُ وَدِّعَ بالسلامِ مُسَافِرا

طَوَّفْتُه بالدمع سبعًا داعيًا ... عَوْدًا من الرحمان برًّا طاهرا


اللهم لا تجعله آخر عهدٍ لي ببيتك الحرام، وأكرمني بالحجّ وكلّ مَن يتمنى، في أعوامٍ مقبلةٍ ونحن بأتمّ العافية.

استودعتك يا رب مكة..  البلد الأمين.. الحرم الآمن.. فاجعله آمنًا مطمئنًا أبد الدهر.

استودعتك يارب.. بلدًا تركتُ فيه قلبي.. ولم أحمل في جوفي سوى حبه والشوق إليه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تكمل الفيلم!

منفذ النور

وآن للقصة أن تكتمل