"أسدين قصر النيل"

 مساء الرابع من الشهر

الرابع والعشرين من عُمري

أحتفل بذكرى ميلادي هُنا

في بلدٍ تحتضن أجمل ذكرياتي

في بلدٍ تدفق حُبها في أوردتي

اعتدتُ منذ طفولتي أن أقضي أشهر الصيف هنا

بين قصر النيل وحديقة الجيزة ودريم بارك

بين القلعة والأهرامات وميدان التحرير 

بين طلعت حرب وساحة الحسين وشارع المُعز

في حقيقة الأمر.. 

لم تكن الأماكن هي ما يصنع الذكريات 

بل يصنعها مَن يكون برفقتنا حينها 

الرفقة وحدها قادرة على تغيير كل شيء

قادرة على تحويل رصيف متهالك ونصف شطيرة قديمة إلى أرقى مائدة في العالم

قادرة على تحويل بيتٍ صغير متواضع إلى قصرٍ عظيم يسعُ المئات

قادرة على أن تبعث البهجة وتشعل الأضواء في أحلك الليالي

قادرة على تخليد الأيام والمواقف والأماكن في قلوبنا وعقولنا أبد الدهر

فتمضي بنا الأيام والسنين وتسيرُ بنا إلى حيث لا ندري

وتبقى تلك الذكريات هي زادُنا وسلوتنا

نحملها في دواخلنا وفي حقيقة الأمر هي ما تحملنا 

هي ما تجعلنا نشعر بالسلام تجاه ما فات وبالأمل تجاه ما  هو آت. 


ذكرياتي في مصر تجعلني أقوى 

لا لأنها تُشعرني بالسلام والأمل فحسب 

بل ولأنها تُذكرني بالدماء المصرية التي تسري في عروقي 

دماء القوة والإباء وعزة النفس التي ورثناها عن أمي طيّب الله ثراها 

أصّلت فينا تلك القيَم وورّثتنا تلك الصفات التي تُعرف بها كل نساء مصر

فلم نسكت عن حقّنا يوما ولم نخضع لأحد كائنا من كان

عوّدتنا أن نتأقلم في كل الظروف وأن نصبر على كل الصروف

علْمتنا ألا نخشى في الحياة إلا خالقها

حتى إذا رحلت عنا يومًا تكون مطمئنةً واثقةً تمام الثقة

 أنها خلّفت من بعدها من لا تخشى عليهم شيئا

لم يكن إذن محض صدفةٍ أن تُلقبنا - أنا وأختي التوأم- بـ "أسدين قصر النيل"

وإن كان الدافع الأول من إطلاق اللقلبِ هو التشابه في الشكل

لكن يبقى للكلمات أثرٌ لا يُستهان به

أثرٌ يجعل منا أسودًا في غابات الحياة

نسيرُ بذاتِ الهيبة.. بشجاعةٍ وخُطى واثقة

يقول من رآنا: "رحم الله أمًا أنجبتهم وأحسنت تربيتهم"

ويالفخرنا حينها!


مضى عامٌ من عمري

أشعر أني كبرت فيه عشرة أعوام دفعة واحدة

لا يكبرُ الإنسان بمرور الزمن 

بل بتحمل المسؤوليات وكثرة الأشغال

يكبرُ الإنسان حين يبدأ بالتنازل عن بعض أحلامه

لا زُهدًا بها.. بل لأنه أدرك حقيقة الحياة 

وتجلت لهُ أمورٌ كان في غفلة عنها 

 يكبر الإنسان حين تحاصره الذكريات فتُنسيه الآمال

حين يعيش في الماضي ويأبى تخطّيه

حين يختزل كلّ أمنياته في أمنية واحدة مستحيلة: أن يعود به الزمن

كان عامًا صعبًا.. عبث بي كما يعبثُ الطفل بدميته 

يقلبها رأسا على عقب ثم لا يلبث أن يعيدها سيرتها الأولى

يضربها بكل ما أوتي من قوة ثم يضمها إلى صدره بحنان ويطبع قبلة على وجنتها

ولا تملكُ الدمية شيئا غير أن تسلّم له أمرها

ففي نهاية المطاف سوف يسأمُ ويتركها في سلام

وهكذا.. وبعد كل ما حدث.. تركني عامي بسلام ومضى

ليسلّمني إلى عامٍ آخر.. رجائي ألا يتبعَ بدورهِ مذهب الطفل والدمية 

وأن يكون أكثر حكمةً وتعقلًا.



أشعر أن نصي هذا عبثي بامتياز! 

لا يتمحور حول فكرة بعينها

تتبعثر فيه الكلمات والأفكار

كأنها خرجت من رأسي لتوها

ليست منمّقة أو منسّقة

إنما على سجيّتها كما خُلقت

 تتنقلُ بسرعةٍ مخيفة 

ما بين فأل ويأس 

ما بين فرح وحزن

 ما بين ذكريات وآمال 

أقاوم رغبتي في إعادة صياغتها

سأتركها كما هي

تشبهني كثيرا.. 

تشبه كل شيء وأي شيء

عدا فتاة أكملت عامها الرابع والعشرين. 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تكمل الفيلم!

منفذ النور

وآن للقصة أن تكتمل