وصيّة


إن قيل لي يومًا أوصي مَن تُحبين، فقطعًا وبلا أدنى شك ستكون هذه وصيتي

كتبتها بكل إخلاص وحُب، ومُناي كل مُناي أن تلامس أرواحكم الطيّبة، وتترك أثرًا في قلوبكم الطاهرة


(١)

في زحام هذه الحياة وكثرة مشاغلها

وفي طرقاتكم الطويلة المتشعبة نحو تحقيق غاياتكم

لا تنسوا الغاية الكُبرى والسبب الأسمى

لا تنسوا أن عمارة الأرض هي جزء من رحلتكم، لكنها ليست غاية الرحلة

 في كل خطوة تخطونها وفي أي اتجاه وفي كل عمل

اجعلوا الآخرة نصب أعينكم 

 حاولوا قدر استطاعتكم ألا تنغمسوا في دنياكم لدرجة تغفلون فيها عما سواها 

 تذكروا الحساب والجزاء والوقوف بين يدي الله حتى تزنوا الأمور ميزان الحق والعدل وتضعوا كل شيء في مقامه الذي يستحق

في مقامه بين أولوياتكم، وفي تفكيركم، بل وفي حجم الجهد والتعب الذي تصرفونه من أجله

(٢)

احذروا كل الحذر أن تكونوا من أولئك الذين يفصلون بين أمور الدين والدنيا

فالدين في أصله منهاج حياة، لا مجرد أعمال كُلفنا بها وكتبناها في قائمة مهامنا اليومية

الدين هو نبراسنا في كل أمر، في الدراسة، في العمل، في التعاملات المالية، في العقود

بل حتى في أبسط أمورنا.. في طعامنا وشرابنا، في نومنا، في ملبسنا، في مشينا وجلوسنا، في طريقة حديثنا

الدين هو ما يُهذبنا في الحقيقة، هو ما يسمو بنا وبأرواحنا

هو ما يذكرنا أننا لم نُخلق عبثا كما لم نُخلق لنُخلّد، فنزهدُ حينها بسفاسف الأمور، ونتطلع إلى معاليها

وحين نسعى في هذه الأرض ونعمرها لا نفعل هذا طمعا في الخلود، بل رغبة في ترك الأثر الطيب، وإحياء رسالة الإحسان

(٣)

 استشعروا معيّة الله منذ اللحظة التي تفتحون فيها أعينكم فجرًا 

لتروا رحماته الجليّة، ولتبحثوا عن ألطافه الخفية

سترون حينها الحياة بشكلٍ مختلف، ستحمدون الله من أعماق قلوبكم، وتسبّحون له بكل إجلال، وتستغفرونه بكل انكسار

لن تصبح الأذكار والأدعية مجرد كلمات اعتدنا على ترديدها، بل ستلامس أرواحنا،

لن تصبح الصلاة مجرد تمتمات وركعات وسجدات، بل ستصبح مناجاة وصِلة حقيقية، نتحرى وقتها بكل شوق

لن نرى القرآن مجرد أحرفٍ يزن كل منها عشر حسنات، بل سنراهُ رسائل مِن إلهنا الذي نحبه ونطمع أن نرى وجهه الكريم

(٤)

اقرؤوا عن الإسلام، في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي سير صحابته الكرام

اقرؤوا عن الإسلام في كتب المفكرّين والأدباء، وفي كتب العلماء والنجباء

اقرؤوا كمن لا يعلم عن الإسلام شيئا، كمن يود اكتشاف كل تفاصيله، وسيدهشكم هذا الدين العظيم الذي رضيه الله لنا

ستوقنون أنه دين الحق، والسلام، والاطمئنان، والعدل، والخير

أن كل شيء فُرض إنما فُرض لحكمة، كما حُرم ما حُرم لحكمة

أن الله أعلم بنا من أنفسنا، وأرحم بنا من أمهاتنا، وقد أحاط بكل شيء علما، وخلق كل شيء بقدَر



هذه وصيتي، والسلام



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تكمل الفيلم!

منفذ النور

وآن للقصة أن تكتمل