المشاركات

عرض المشاركات من ديسمبر, 2022

في حضرة البحر

 كانت رحلةً قصيرة..لم تُكمل أربعًا وعشرين ساعة.. لكنني أصررتُ على زيارة البحر. فما المغزى من السفر إلى مدينة ساحلية إن لم أرَ بحرها؟إن لم أستنشق نسيمه، وأسمع تلاطم أمواجه، وأجلس على صخرة بقربه.. وأحكي له الكثير؟ كانت نصف ساعة.. ثلاثين دقيقة لم تزد، قضيتها أمام البحر قبل أن تنسحب الخيوط الذهبية من السماء بخجل..  جلستُ أمامه في سكينةٍ وخشوع.. صرخات الأطفال الذي يلعبون خلفي، أصوات مَن يتحدثون، رائحة اللحم المشوي المختلطة برائحة البحر.. كل هذا لم يكن يعنيني.. ولم أبذل أي جهدٍ في تجاهله.. كنتُ في حضرة البحر العظيم.. أبوح له عما في داخلي..    أشكو لهُ وحدتي واشتياقي، حيرتي وشتاتي..  أخاطبهُ وكأنه شيخٌ كبير.. مكللٌ بالحكمة، وبتجارب كل مَن جاؤوا إليه قبلي.   كنت أبوحُ له بتلك الأسرار الجاثمة على صدري منذ زمن.. تلك الأسرار التي لم تستطع الكتابة وحدها أن تُخلصني من ثقلها شكوت لهُ ما لم يدر به صديق ولا قريب.  شعرتُ به يلاطفني بنسماته، ويربت على كتفي بصوت أمواجه.. وكأنه يقول لي تلك الكلمة التي كان يجيبني بها أبي حين أشكو له : "دنيا" تنتفستُ بعمق.. تأملتُ امتد...

نزّله على قلبك

 ما معنى أن تقرأ القرآن من قلبك وكأنه أُنزل عليك؟  يعني أن تقرأ ما فيه من رسائلٍ ولطائف ومن قصصٍ وعبر.. وكأنها نزلت لتُثبت فؤادك أنت أن تقرأ تلك الأحكام والمواعظ ، وتستشعر حكمة مَن أمر بها، وسعة علمه، ولطفه أن تتلو الآية مرةً، واثنتين، وثلاثًا... فتكشف في كل مرةٍ سرًا، ويُفتح لك بابٌ من أبواب الفهم في كل مرة أن تقرأ آيات العظمة والمُلك، آيات الخالق العظيم.. الذي رفع السماوات بغير عمد، وأحصى كل شيء عدد..فيخشع قلبك وترتعد فرائصك ثم يلين قلبك حين تقرأ آيات الرحمة والتوبة.. تلك الآيات الحانية التي تطمئنك أن الله يعلم مقدار ضعفك، وسيغفر ذنبك وتقصيرك في جنبه ، إن أقبلت عليه بقلبٍ صادق أن ترتّل الآيات وتتغنّى بها، بكل تؤدةٍ ورويّة.. أن تعطي كل حرفٍ حقه ومستحقه.. فتعطي الغنة زمنها، والمدود وقتها، من غير تكلف أن تعيش مع الآيات في واقعك، منذ أن تُصبح إلى أن يُسدل الليل أستاره.. في سرك وفي جهرك فتكون مثل نبينا صلوات ربي عليه (قرآنا يسير بين الناس) قد هذب القرآن خُلقك وجمّل صفتك فتشعّ روحك نورًا، وتُعرف بصفاء روحك وطهارة قلبك وطمأنينة نفسك.. أنك تحمل القرآن في...

وبقيّةٌ مما ترك أبي

صورة
في ظاهر الأمر..  قد يبدو أن اهتمامي بهذه الزهور والنباتات، والحرص على ريّها نابعٌ عن شغفٍ أو هواية لا أكثر.. وفي حقيقة الأمر، إن لها ارتباطٌ عاطفيٌ وذكرياتٌ لا تُنسى. بدأ الأمرُ حين كنتُ في سنّ السابعة، كنت أرى والدي وهو يسقي النباتات بشكل شبه يومي، ويقتني كل فترةٍ نبتةً جديدة: ملكة الليل، الفل، الريحان، وفي فترة ما كان يزرع الطماطم والثمار الأخرى. تنقّلنا من بيتٍ إلى بيت.. وفي كل بيتٍ نسكنه كان يحرص على زراعة النباتات بقدر ما يستطيع. وحين نسافر في عطلات الصيف الطويلة .. كان يوصي عامل تنظيف السيارات أن يهتم بها ويسقيها. مؤخرًا..قبل عام ونصف العام تقريبًا.. سافر أبي لمدة ثلاثة أشهر.. وأوصاني بالاهتمام بالنباتات في غيابه. كانت تلك هي أول مرة يوصيني بها.. ولم أكن أدري أنها الأخيرة. خلال غيابه، كنت أحاول جاهدة أن أجعل النباتات في أفضل أحوالها، لئلا أخيّب ظنه حين يعود. كنت أسقيها كل يومٍ بعد العشاء، وأقصّ ما طال، وأقطف ما يبس. كنت أعلم قدر اهتمامه بها، وأصرف طاقتي وجهدي في الاعتناء بها. لن أنسى ابتسامته وفرحته حين عاد من سفره ورأى الزرع مُخضرًا مُزهرًا.. لن أنسى شعوري حينها....