أدومُها.. وإنْ قل


سُئلت أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة رضي الله عنها : كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقَالَتْ : كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً. 

الدِّيمةُ : المطَرُ المُستمِر في سكون. 


وقال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه :" "أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلّ ".


الديمومة.. أو كما نسميها اليوم : الاستمرارية، هي سر الإنجاز والنجاح في كثير من الأمور.

وزد على ذلك"القلة"، ألا يُكثر المرء على نفسه كمّ العمل فيثقل عليه. 


ضع أمامك أي هدف تودّ تحقيقه، أي هدف مهما عظم في نظرك! 

ستجد أن الطريقة المثلى لتحقيق هدفك هذا هي في اجتماع أمرين : استمرارية + قلة، عملا بوصية الحبيب نبينا (أدومها وإن قل). 

اجعل من عملك (ديمة) كما كان يفعل صلوات الله عليه. 

ديمة، مطر مستمر في سكون، عمل مستمر بلا تكلف! 

وسترى أنها الطريقة المثلى لإنجاز أي عمل وتحقيق أي غاية وهدف. 


مشكلتنا أننا حين نعزم على بدء عمل أو تعلم شيء ما أننا نبدأ بحماسة شديدة ونضع خطة لإنجازه في فترة وجيزة! 

نحن حينها (في بادئ الأمر) نكون في شدة حماسنا ونتوقع أن تستمر هذه المشاعر وهذه الطاقات طويلا

وحقيقة الأمر أننا لن نلبث أن نفتر ونعود إلى نقطة الصفر.

فطبيعة الإنسان أنه ملول، وهذا ما نغفل عنه ونحن في أوج حماسنا لإنجاز أمر ما، نندفع نحوه بكامل قوتنا ثم تنقطع أنفاسنا قبل أن نكمل ربع المشوار، فنقف لالتقاطها.. لكن المفاجأة أننا حين نقف لن نكمل. 


حين يُطلب منك أن تحمل كيسا كبيرا من الأرز، أيكون أيسر على نفسك أن تقسمه إلى أرباع ثم تحمل كل ربع على حدة، أم أن تحمله على عاتقك مرة واحدة؟ 

ولاحظ أنني كتبت : أيسر.. ولم أكتب : أسرع! ففي كلا الحالين ستنجز الأمر لكن في أيهما ستنجزه بلا تعب أو فتور؟


حين يُطلب منك قطع مسافة ما جريا، أيكون أيسر على نفسك أن تقطعها بسرعة متوسطة طوال الطريق، أم أن تقطعها بأقصى سرعة ممكنة؟ 

في الحالة الثانية قد ينقطع نفسك في منتصف الطريق أو تعاني من شد عضلي، وقد تكمل الطريق تجر خطواتك على ثقل، وقد لا تكمل.


العبرة مما ذكرت لا تحتاج إلى شرح، والمُجرّب سيؤكد أن مبدأ (أدومها وإن قل) مبدأ لا نظير له. 

مبدأ تستطيع تطبيقه على كل أمر في حياتك من سفاسف الأمور حتى عظامها. 

أتريد أن تحفظ القرآن؟ قسمه حسب مقدرتك، صفحة كل يوم، أو نصف صفحة، حتى يكتمل العقد. 

أتريد تعلم لغة؟ أعطها من وقتك ساعة كل يوم! ساعة لا تُكثر فيها الكم؛ وسوف تندهش بعد مُضي شهر. 

أتريد أن تُحسن من مظهر بشرتك أو شعرك؟ ضع نظاما بسيطًا كل يوم. وربما لن يمضي أسبوع حتى تلمس الأثر. 


المهم في كل هذه الأمور وغيرها ألا تخرق قاعدتين :

الأولى : ألا تتخلف يوما واحد. 

الثانية : ألا تزيد عن المقدار المحدد

ضعها نصب عينيك (أدومها وإن قل). 


 وأختم باقتباس لا أدري مَن كاتبه، رأيته في صورة متداولة، يحمل ذات المعنى الذي أريد إيصاله :


"لا يتعلق النجاح بالكمية بقدر ما يتعلق بالاستمرارية ولا بالمجهود الضخم بقدر ما يتعلق بخلق عادة يومية سهلة تستمر معنا طول العمر".



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تكمل الفيلم!

منفذ النور

وآن للقصة أن تكتمل