ثلاثة مشاهد
10:22 AM
صباح جميل ومختلف أطل على المدينة التي لم تألف الغيوم
صباح لم نر فيه خيطا من خيوط الشمس
السماء ملبدة بالغيوم.. الجو بارد ضبابي وكأننا في مدينة أخرى
ذهبت بأختي إلى عيادة الأسنان القريبة
وآثرت انتظارها في السيارة عوضا عن الجلوس في مقاعد الانتظار داخل العيادة
فمثل هذه الأجواء لا تتكرر كل يوم! ولن أضيع دقيقة واحدة دون الاستمتاع بها
في هذه اللحظة أجلس في سيارتي، جميع النوافذ مفتوحة ونسيم الهواء يداعب خصلات شعري الشادرة من طرف غطاء رأسي
أشرب قهوتي الدافئة و أتأمل ما حولي..
عشرات بل مئات الأفكار تراودني مع كل مشهد أراه أمامي
تلك المشاهد البسيطة التي تمر أمامنا كل يوم دون أن نستلهم منها فائدة واحدة!
هل لتغير الجو ذلك التأثير حتى على نظرتنا لما حولنا؟
أردت أن أدون بعض تلك المشاهد وما استلهمته بعد تأملها..
أمسكت هاتفي وبدأت أكتب..
المشهد الأول :
رجل أعتقد أنه في الستين من عمره يريد أن يعبر الشارع
لا يجد من يقف له أو من يقلل من سرعة مركبته حتى يعبر!
مضت عشر دقائق أو أكثر من المحاولات البائسة لعبور الشارع
يقطع منتصفه ثم يعود أدراجه في كل مرة
الساعة العاشرة صباحا.. الجميع مسرعون نحو أشغالهم، وظائفهم ومواعيدهم الهامة...
لكن 10 ثوان ليست بالكثير الذي سيعطلهم عن كل هذا!
وأخيرا بعد طول انتظار توقف أحدهم وأشار له بأن يعبر
تهلل وجهه وعبر الشارع يركض رغم كبر سنه، يداه مرفوعتان إلى السماء يدعوا له بصوت عال.
كم أنت محظوظ يا من توقفت من أجله، بهذا السيل من الدعوات، وبأجر من الله لن يضيع
هذا المشهد جعلني أفكر كثيرا ..
كم من أبواب الخير أغلقنا بأيدينا وآثرنا ثواب الدنيا عليه؟
وكم من فرص وكم من أجور ضاعت علينا؟
كل هذا لأننا نسعى خلف مصالحنا وننسى غاية الحياة
ننسى أن الله جعلنا خلائف الأرض لنعمرها ونحسن فيها تعبدا له
نحن الذين ندين بدين محمد.. إماطة الأذى عن طريق الناس صدقة والابتسامة صدقة والسعي لقضاء حوائج الغير يقضي به الله حوائجنا!
صرنا لا نهتم إلا بحوائج أنفسنا.. ما أحوجنا إلى العودة لديننا وقيمه السامية.
قررت بعد ما شاهدت أن أكون سباقة في هذا العمل البسيط.. سأقف للمشاة وأشير لهم بابتسامة أن يعبروا.
سأكون سباقة في تلك الميادين البسيطة التي لا يكترث لها الجميع، لكنها ذات أثر عظيم لو يعلمون.
المشهد الثاني :
أحدهم أوقف سيارة أجرة وسأله : نزلة الكبري.. بكم؟
المسافة لا تتجاوز 1 كم لكن يصعب السير فيها لعدم وجود رصيف مشاة على الكبري
أجابه السائق 15 ريال.. وتبدأ المفاصلة (محاولة التوصل إلى مبلغ يرضى به الطرفين)
وترتفع الأصوات فجأة وتتطاير الشتائم.. ثم ينطلق السائق غاضبا بسيارته
المضحك المبكي أن السائق سار في نفس المسار الذي يريده ذاك الشخص!
لم يكن ليضره شيء إن ركب معه ولو بالمجان..
كلاهما في هذا المشهد يرى نفسه أولى (بالقرش) من الآخر
وكلاهما يتهم الآخر بالطمع أو البخل
ومن وجهة نظري لو أن السائق تنازل ورضخ لكان خيرا له
ما أحزنني في هذا الموقف ليس أنهما لم يتفقا فهذا وارد،
ما أحزنني حقيقة هو السب والشتم والغضب! لماذا يحدث كل هذا؟
لماذا لا ينتهي الموقف بسلام في كل الأحوال؟
من مشكلاتنا الكثيرة أننا دائما ما نرى أنفسنا على حق تام وأن الطرف الآخر تجتمع فيه كل خصال السوء.
دائما ما نعتقد أننا ضحايا و مساكين فندافع عن أنفسنا بكل ما أوتينا من قوة!
نُهلك أنفسنا ونحرق أعصابنا على مواقف تافهة لا تكاد تذكر.
نرفض التنازل ونظل مصرين على مواقفنا ظنا منا أن التنازل ضعف أو خسارة.
قررت بعد ما شهدته أن أجعل من السعي في قضاء حوائج الغير (غاية)
سأحاول جاهدة أن لا أقدم مصلحة نفسي على فعل الخير والإحسان إلى الخلق.
المشهد الثالث :
رجل يوقف سيارته بجانبي مباشرة.. ينزل.. يفتح الباب الخلفي.. يُخرج صندوقا (كرتون) من علب ماء الشرب.
يضعه على الرصيف ويفتحه بطرف المفتاح..
يجلب صندوقين إضافيين ويضعهما على مقربة منه.. ثم يرحل! هكذا بسرعة.
بعد دقيقتين أو أقل من ذلك يأتي عامل النظافة ويأخذ علبة
يتبعه مجموعة من عمال البناء، ثم بعض المشاة، لم تمضي عشر دقائق حتى فرغ الصندوق الأول
بداية الأمر كنت أعتقد أن العمال أو المحتاجين هم وحدهم من سيشربون منه لكنني لاحظت أن عامة الناس كانوا يفعلون.
وهذا ما نغفل عنه عادةً حين نتصدق بالماء.. نظن أن العامة ليسو بحاجة إلى الماء لأنه رخيص الثمن.
وحقيقة الأمر أنهم وفي خضم انشغالهم سوف يكونون ممتنين لوجود الماء سهل المنال على طريقهم.
لفت انتباهي أمر آخر، أن مثل هذه المبادرات تكاد لا ترى إلا في شهر رمضان وأيام الحج! تجد الصدقات وسقيا الماء حولك أينما سرت.
قلة قليلة مَن يستمرون على النهج ذاته فيفعلون الخير في كل زمان
لما شهدتُ هذا، راجعتُ نفسي وتأملتُ في حالي وحال الكثيرين ممن أعرفهم
نفعل الخير في مواسم معينة لأن الأجر فيها مُضاعف!
وننسى أن الأجر موجود في تلك المواسم وفي غيرها.. بل ربما كان أنفع للناس في غيرها
إذ أن فاعلي الخير في الأيام الأخرى يكونون قلة فيُتتفع ببذلك وصدقتك فيها.
عشرات المشاهد مرت أمامي..
ومئات الأفكار و التساؤلات لمعت في ذهني.
والكثير الكثير من العبر ودروس الحياة استلهمتها في نصف ساعة.
أعتقد أن أفضل ما خرجت به بعد هذا كله أن أجعل التأمل عادةً لي
أن أترك هاتفي بعض الوقت، وأصرف نظري وتركيزي إلى ما حولي من أحداث.
تعليقات
إرسال تعليق