والعاقبةُ للمتقين
ما معنى كلمة عاقبة ؟
العاقبة في اللغة هي آخر الشيء وجزاؤه، يُقال: عَقِبُ كلِّ شيء وعَقْبُه وعاقِبَتُه وعاقِبُه وعُقْبَتُه وعُقْباه وعُقْبَانُه: آخِره.
- لسان العرب، لابن منظور
ورد لفظ « العاقبة» في القرآن الكريم في الثواب، نحو قوله تعالى: (والعاقِبَةُ لِلمتّقين) وقيل في تفسير الآية: معناه تمسّكوا بالتقوى في الدنيا، فإنّ حسن العاقبة في الدارَين للمتّقين.
والعاقبة ما تؤدّي إليه البادئة، إلاّ أنّه إذا قيل: « العاقبة له » فهو في الخير، وإذا قيل: « العاقبة عليه » فهو في الشر
واستُعمل لفظ « العاقبة » في الشرّ والعقاب، نحو قوله تعالى: (فكانَ عاقِبَتَهما أنّهما في النار) يعني: فكان آخر أمرهما في النار.
- تفسير مجمع البيان، للطبرسي
...
إلى معلمة مادة التعبير
التي علمتني في الصف الخامس من المرحلة الابتدائية :
طالبتك الصغيرة صار عمرها 21 عاما
و لا يزالُ عالقا في ذهنها ذلك اليوم..
تتذكره بين الحين والآخر عندما تصادفها كلمة (عاقبة)
لقد كان موقفا صغيرا لم يتجاوز دقيقة واحدة
لكنه علمني الكثير، معلمتي.
يومها طلبتِ منا كتابة قصة قصيرة عن الصدق والأمانة
و شرعتُ أكتبها بمجرد سماع ذلك بكل حماس كعادتي
كنتُ منذ طفولتي أسرع لإنجاز مهامي بأسرع ما يمكن..
وذلك لأن الذي ينجز أولا يحصد الكثير..
يخرج من الحصة قبل زملائه، يسمح له بتناول الطعام، يسمح له باللعب وقراءة القصص وغير ذلك.
لكننا كبرنا وتعلمنا أن السرعة لا تهم وإنما المهم هو نتيجة العمل.
أن تقضي اليوم كله لإنجاز مهمة واحدة على أكمل وجه خير لك من أن تنهي مهامك كلها في ساعة لكن من غير إتقان.
المهم، لنعد إلى ذلك اليوم،
شرعتُ حينها أكتب قصة من وحي خيالي عن فتاة تتسم بالصدق والأمانة، لا أذكر بالضبط تفاصيل تلك القصة لكن ما أذكره ولن أنساه، أنني كتبت في ختام قصتي :
" وهذه هي عاقبة من يكون صادقا وأمينا ".
كنت أعني بذلك العاقبة الحسنة بالطبع!
لكنك يا معلمتي حين قرأتِ هذه الجملة الأخيرة انفجرتِ ضاحكة وقلتِ بسخرية :
" عاقبة؟ العاقبة تكون للشيء السيء مثل الكذب والسرقة، لا الأمور الحسنة! عودي إلى مقعدك وعدّلي الجملة."
ربما لأن كلمة (عاقبة) قريبة من كلمة (عقاب) والتي يراد بها الجزاء على الشر؟ ربما.
عُدت حينها إلى مقعدي ومسحت كلمة (عاقبة) وكتبت كلمة أخرى مكانها، أظنها كانت (مكافأة) أو ربما كلمة أخرى.. المهم أنني حرصت ألا تحتمل الكلمة الجديدة غير المعاني الجيدة.
سلمتك القصة. انتهى اليوم الدراسي فعدتُ إلى المنزل.
استلقيت على سريري أفكر..
لماذا قالت لي المعلمة أن كلمة عاقبة لا تستعمل إلا مع النهايات السيئة؟
وفجأة تذكرت أنني حفظت آية قال الله فيها (والعاقبة للمتقين) كانت في سورة القصص! نعم أنا متأكدة.. ورحت أقلب صفحات المصحف بلهفة إلى أن وجدتها وفرحت بذلك فرحا يفوق الوصف.
بفارغ الصبر انتظرت اليوم الدراسي القادم لإخبارك معلمتي بهذا الإكتشاف العظيم (في نظري حينها) .
صرخت بفرح أناديك ما إن رأيتك تدخلين من باب المدرسة صباحا، ويبدو أن مزاجك كان سيئا حينها أو كنت للتو قد استيقظتِ.. فقد كانت نظراتك وكلمة (مبروك) التي خرجت منك ببرود كفيلتان بالتعبير عن ذلك.
لكن لا يهم، كانت فرحتي باكتشاف هذا تفوق حزني على رد فعلك. وكان لدي العشرات لأخبرهم عن ذلك
أمي وأبي، صديقتي المقربة، أختي التوأم، أختي الكبرى التي كانت تذاكر معي، معلماتي وزميلاتي في تحفيظ القرآن، بل حتى بنات خالتي وبنات عمي حين ألتقيهن نهاية الأسبوع.
لا أصدق.. كم كنت طفلة كثيرة الكلام!
ولا أنكر أني لا أزال كذلك.. لكن الكتابة أراحت الناس من كلام كثير كُتب عوضا عن النطق به.
ما أود قوله هو أنك حينها يا معلمتي قدمتِ لي الكثير دون أن تشعري!
لقد علمتني بعد تلك الحادثة الصغيرة أشياء كبيرة ظلت راسخة في ذهني إلى يومي هذا..
علمتني ألا أثق ثقة مطلقة في قول أحد كائنا من كان، بل أجتهد وأبحث إن لم أقتنع.
علمتني أن اللغة العربية بحر، لم أتعلم منه سوا قطرة، فضمئت للمزيد، وما زلت حتى الساعة لم أرتوي منها.
والأسما والأعظم من ذلك كله.. ذلك الموقف علمني أن أبحث في القرآن وأتدبر آياته، وأتمعن في كل كلمة وفي أي سياق وضعت.
وكبرت وكبر شغفي معي، ما زلت أقرأ في كتب البلاغة القرآنية وأتذكر موقفي هذا.
معلمتي..
لا أعلم عنك شيئا اليوم.. هل ما زلتِ تمارسين مهنة التعليم؟
أذكر أنك لم تكوني شابة حين درستني.. هل ما زلتِ على قيد الحياة أصلا؟
سلامٌ عليك ورحمة من الله تغشاكِ أينما كنتِ.. فوق التراب أم تحته.
لكني آمل حقا أن تقرأي كلماتي هذه ولو صدفة، ولو دون علمك أنك المعنية بكل ما كتبت.
تعليقات
إرسال تعليق